تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.228

الآية كلها تتضمن أحكاما تكليفية، والحكم التكليفي الأول هو: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228] ولنا أن نلحظ أن الحكم لم يرد بصيغة الأمر ولكن جاء في صيغة الخبر، فقال: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228]، وحين يريد الحق سبحانه وتعالى حكما لازما لا يأتي له بصيغة الأمر الإنشائي، ولكن يأتي له بصيغة الخبر، هذا آكد وأوثق للأمر.. كيف؟ معنى ذلك أن الحق سبحانه وتعالى حين يأمر فالأمر يصادف من المؤمنين به امتثالا، ويطبق الامتثال في كل الجزئيات حتى لا تشذ عنه حالة من الحالات فصار واقعا يحكى وليس تكليفا يطلب، وما دام قد أصبح الأمر واقعا يحكى فكأن المسألة أصبحت تاريخا يروى هو: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228] ويجوز أن نأخذ الآية على معنى آخر هو أن الله قد قال: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ﴾ [البقرة: 228] فيكون كلاما خبريا. وقلنا إن الكلام الخبري يحتمل الصدق والكذب، إن الله قد قال ذلك فمن أراد أن يصدق كلام الله فلينفذ الحكم، ومن أراد أن يبارز الله بالتكذيب ولا يصدقه فلا ينفذ الحكم، ويرى في نفسه آية عدم التصديق وهي الخسران المبين، أليس ذلك أكثر إلزاما من غيره؟ مثل ذلك قوله تعالى:

الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم

[النور: 26]. إن هذا وإن كان كلاما خبريا لكنه تشريع إنشائي يحتمل أن تطيع وأن تعصي ولكن الله يطلب منا أن تكون القضية هكذا " الخبيثات للخبيثين " يعني أن ربكم يريد أن تكون " الخبيثات للخبيثين " وأن تكون " الطيبات للطيبين " وليس معنى ذلك أن الواقع لابد أن يكون كما جاء في الآية، إنما الواقع يكون كذلك لو نفذنا كلام الله وسيختلف إذا عصينا الله وتمردنا على شرعه. والمعنى نفسه في قوله تعالى:

ومن دخله كان آمنا..

[آل عمران: 97]. أي اجعلوا من يدخل البيت الحرام آمنا. ويحتمل أن يعصي أحد الله فلا يجعل البيت الحرام آمنا. إذن فقوله الحق: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228] هو حكم تكليفي يستحق النفاذ لمن يؤمن بالله، وقوله: " يتربصن " أي ينتظرن، واللفظ هنا يناسب المقام تماما، فالمتربصة هي المطلقة، ومعنى مطلقة أنها مزهود فيها، وتتربص انتهاء عدتها حتى ترد اعتبارها بصلاحيتها للزواج من زوج آخر. ولم ينته القول الكريم بقوله: " يتربصن " وإنما قال: ﴿ يتربصن بأنفسهن ﴾ [البقرة: 228] مع أن المتربصة هي نفسها المطلقة ذلك لأن النفس الواعية المكلفة والنفس الأمارة بالسوء تكونان في صراع على الوقت وهو ﴿ ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228]، " وقروء " جمع " قرء " وهو إما الحيضة وإما الطهر الذي بين الحيضتين.

وقوله الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228] ما المقصود به؟ هل هو الحيضة أم الطهر؟ إن المقصود به الطهر، لأنه قال: " ثلاثة " بالتاء، ونحن نعرف أن التاء تأتي مع المذكر، ولا تأتي مع المؤنث، و " الحيضة " مؤنثة و " الطهر " مذكر، إذن، ﴿ ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228] هي ثلاثة أطهار متواليات. والعلة هي استبراء الرحم وإعطاء مهلة للزوجين في أن يراجعا نفسيهما، فربما بعد الطهر الأول أو الثاني يشتاق أحدهما للآخر، فتعود المسائل لما كانت عليه، لكن إذا مرت ثلاثة أطهار فلا أمل ولا رجاء في الرجوع. ثم يقول الحق بعد ذلك: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ [البقرة: 228] وما معنى الخلق؟ الخلق هو إيجاد شيء كان معدوما، وهذا الشيء الذي كان معدوما إما أن يكون حملا وإما أن يكون حيضا، وللحامل عدة جاءت في قوله الحق.

وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن

[الطلاق: 4]. أما المرأة الحائل وهي التي بدون حمل، فعدتها أن تحيض وتطهر ثلاث مرات وهناك حالة ثالثة هي:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٦