2.204-205
يريد الحق سبحانه وتعالى أن يضع أمامنا قضية وجودية، وهذه القضية الوجودية هي أن كل عمل له ظاهر وله باطن. ومن الجائز أن تتقن الظاهر وتدلس على الناس في الباطن، فإذا كان الناس لهم مع بعضهم ظاهر وباطن. فمن مصلحة الإنسان أن ينتمي هو والناس جميعا إلى عالم يعرف فيه كل إنسان أن هناك إلها حكيما يعرف كل شيء عنا جميعا. فإذا كان عندك شيء لا أعلمه، وأنا عندي شيء أنت لا تعلمه كيف تسير مصالحنا؟ ولذلك فمن ضروريات حياتنا أن نؤمن معا بإله يطلع على سرائرنا جميعا، وهذا ما يجعلنا نلزم الأدب. ولذلك قيل: " إن عميت على قضاء الأرض فلن تعمى على قضاء السماء ". إذن فقضاء السماء وعلم الله بالغيب مسألة يجب أن نحمده عليها، لأنه هو الذي سيحمي كل واحد منا من غيره. وعندما ستر الله غيبنا فذلك نعمة يجب أن نشكره عليها لأن النفوس متقلبة. فلو علمت ما في نفسي عليك في لحظة قد لا يسرك.. وقد لا تنساه أبدا ويظل رأيك في سيئا، لكن الظنون والآراء تمر عندي وعندك وتنتهي. ولو اطلع كل منا على غيب الآخر لكانت الحياة مرهقة، والقول المأثور يذكر ذلك: " لو تكاشفتم ما تدافنتم ". إذن فمن رحمة الله ومن أكبر نعمه على خلقه أن ستر غيب خلقه عن خلقه. والحق يحذرنا ممن قال فيهم: ﴿ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ﴾ [البقرة: 204] أي الذين يظهرون من خير خلاف ما يبطنون من شر، ولذلك صور الشاعر هذه المسألة فقال:
على الذم بتنا مجمعين وحالنا
من الخوف حال المجمعين على الحمد
أي لو تكاشفنا لقلنا كلنا ذما، إنما كلنا مداحون حين يلقى بعضنا بعضا كل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. و " يعجبك قوله " فهل الممنوع أن يعجبك القول؟ لا، يعجبني القول ولكن في غير الحياة الدنيا، فالقول الذي يعجب هو ما يتعلق بأمر الحياة الآخرة الباقية ليضمن لنا الخير عند من يملك كل الخير. وكفى بالذي يسمع من مادح له مدحا، والمادح نفسه يضمر في قلبه كرها له، وكفى بذلك شهادة تغفيل للممدوح، بأنه يقول بينه وبين نفسه: " إن الممدوح غبي لأني أمدحه وهو مصدق مدحي له ". إن الله سبحانه وتعالى ينبهنا إلى ضرورة أن يكون المسلم يقظا وفطنا، ومن يقول لنا كلاما يعجبنا في الحياة الدنيا نتهمه بأن كلامه ليس حسنا لأن خير الكلام هو ما يكون في الأمر الباقي. ولذلك عندما أرسل خليفة المسلمين للإمام جعفر الصادق يقول له: - لماذا لا تغشانا - أي لا تزورنا - كما يغشانا الناس؟ فكتب الإمام جعفر الصادق للخليفة يقول: أما بعد فليس عندي من الدنيا ما أخاف عليه، وليس عندك من الآخرة ما أرجوك له.
وكأنه يريد أن يقول له اتركنا وحالنا أنت محتاج لمن يجلس معك ويمدحك، وأنت لا تعلم أن أول أناس لهم رأي سيىء فيك هم من يمدحونك. ﴿ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ﴾ [البقرة: 204] وهذه الآية نزلت في الأخنس ابن شريق الثقفي واسمه أبي ولقب بالأخنس لأنه خنس ورجع يوم بدر فلم يقاتل المسلمين مع قريش واعتذر لهم بأن العير قد نجت من المسلمين وعادت إليهم، وكان ساعة يقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر إسلامه ويلين القول للرسول ويدعي أنه يحبه، ولكنه بعد أن خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بزرع وحمر لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر. والآية وإن نزلت في الأخنس فهي تشمل كل منافق. ﴿ ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ﴾ [البقرة: 204] لا تقولوا: " الله يشهد " ، وإنما هاتوا شهداءكم ليشهدوا على صدق قولكم لأن معنى " الله يشهد " هو إخبار منك بأن الله يشهد لك. وأنت كاذب في هذه، وتريد أن تضفي المصداقية على كذبك بإقحام الله في المسألة. وساعة تسمع واحدا يقول لك: أشهد الله على أني كذا، فقل له: هذا إخبار منك بأن الله يشهد، وأنت قد تكذب في هذا الخبر، أنا أفضل أن يشهد اثنان من البشر ولا نقحم الله في هذه الشهادة. ﴿ ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ﴾ [البقرة: 204] وألد الخصام هو الفاسق في معصيته، ويقال: فلان عنده لدد أي له فسق في خصومته، ويجادل بالباطل. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: