تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.211

فكأن الله لم يحمل على بني إسرائيل ويريد منهم أن يقروا على أنفسهم بما أكرمهم به الله من خير سابق فساعة تقول: " اسأل فلانا عما فعلته معه " ، كأنك لا تأمر بالسؤال إلا عن ثقة، وأنه لن يجد جوابا إلا ما يؤيد قولك. والحق يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأل بني إسرائيل عن الخير السابق الذي غمرهم به وهو سبحانه عليم أنهم لن يستطيعوا مع لددهم أن يتكلموا إلا بما يوافق القضية التي يقولها الحق وتصبح حجة عليهم. والحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ سل بني إسرائيل كم آتيناهم ﴾ [البقرة: 211] ساعة تسمع " كم " في مقام كهذا فافهم أنها كناية عن الإخبار عن الأمر الكثير بخلاف " كم " التي تريد بها الاستفهام. وأنت تقول: " كم فعلت كذا مع فلان " و " كم صنعت معه معروفا " و " كم تهاونت معه " و " كم أكرمته ". لذلك فعندما تسمع " كم " هذه فاعرف أن معناها الكمية الكثيرة التي يكنى بها على أن عددها لا يحصى. ﴿ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ﴾ [البقرة: 211] إن الحق يريد أن يضرب لنا مثلا كمثل إنسان يأكل خيرك وينكر معروفك، ويشكوك إلى إنسان، فترد أنت لمن ينقل لك الشكوى: سله ماذا قدمت له من جميل، أنا لن أتكلم بل سأجعله هو يتكلم. وأنت لا تقول ذلك إلا وأنت على ثقة من أنه لا يستطيع أن يغير شيئا. ألم يفلق لهم البحر؟. ألم يجعل عصا موسى حية؟ ألم يظللهم الله بالغمام؟ ألم يعطهم الله المن والسلوى؟ كل ذلك أعطاه الله لهم فلم يشكروا نعمة الله، فحل عليهم غضبه أخذهم بالسنين والجوع وأخذهم بالقمل والضفادع والدم، كل ذلك فعله الله معهم.. وحين يقول الحق لرسوله: ﴿ سل بني إسرائيل ﴾ [البقرة: 211] فالقول منسحب على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا جاءك واحد منهم فاسأله: كم آية أعطاها الله لكم فأنكرتموها، وتلكأتم. وتعنتم. ﴿ كم آتيناهم من آية بينة ﴾ [البقرة: 211] إن " كم " تدل على الكمية الكبيرة، و " من آية ": معناها الأمر العجيب. و " بينة " تعني الأمر الواضح الذي لا يمكن أن يغفل عنه أحد. ﴿ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب ﴾ [البقرة: 211]. وكيف يبدل الإنسان نعمة الله؟. إن نعمة الله حين تصيب خلقا فالواجب عليهم أن يستقبلوها بالشكران، ومعنى الشكران هو نسبتها إلى واهبها والاستحياء أن يعصوا من أنعم عليهم بها.

فإذا استقبل الناس النعمة بغير ذلك فقد بدلت. ولذلك يقول الحق في آية أخرى:

ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا

[إبراهيم: 28] وما داموا قد بدلوها كفرا، فيكون الكفر هو الذي جاء مكان الإيمان. إذن كان المطلوب أن يقابلوا النعمة بالإيمان، بالازدياد في التقرب إلى الله، لكنهم بدلوا النعمة بالكفر. ﴿ ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب ﴾ [البقرة: 211] قد نفهم أن معنى " شديد العقاب " هو أمر يتعلق بالآخرة، ولعل أناسا يستبطئون الآخرة، أو أناسا غير مؤمنين بالآخرة، فلو كان الأمر بالعقاب يقتصر على عقاب الآخرة لشقي الناس بمن لا يؤمنون بالآخرة.. أو يستبطئونها لأن هؤلاء يعيثون في الأرض فسادا لأنهم لا يخافون الآخرة ولا يؤمنون بها، أو أنها لا تخطر ببالهم. فالذي يؤمن بأن هناك آخرة تأتي وسيكون فيها حساب، هو الذي سيكون سلوكه على مقتضى ذلك الإيمان. أما الذي لا يؤمن أن هناك يوما آخر فالدنيا تشقى به. فإذا لم يعجل الله بلون من العقوبة للذين لا يؤمنون بالآخرة أو الذين يستبطئون الآخرة لشقي الناس بهؤلاء الذين لا يؤمنون أو يستبطئون. وكل جماعة لا تقبل على منهج الله، ويبدلون نعمة الله كفرا لابد أن يكون لله فيهم عقاب عاجل، وذلك ليعلم الناس أن من لم يرتدع إيمانا وخوفا من اليوم الآخر فعليه أن يرتدع مخافة أن يأتيه العقاب في الدنيا. فالظالم إذا علم أن ظالما مثله لقي عقابه وحسابه في الدنيا فسيخاف أن يظلم وإن لم يكن مؤمنا بالآخرة، لأنه سيتأكد أن الحساب واقع لا محالة. ولذلك لا يؤجل الله العقاب كله إلى الآخرة ولكن ينزل بعضا منه في الدنيا. ويقول الحق في الذين يبدلون نعمة الله كفرا:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٨