والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: ﴿ يأيها الناس ﴾ [البقرة: 168] فكأنه يدعو غير المؤمنين: لو عقلتم، لوجب أن تحتاطوا إلى حياتكم بألا تأكلوا إلا حلالا أحله الله للمؤمنين. ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ [البقرة: 168]. أي لا تسيروا وراء الشيطان، فالخطوة هي المسافة بين القدمين عند المشي، أي بين النقلة والنقلة، ولا تجعلوا الشيطان قائدكم لأن الشيطان عداوته لكم مسبقة، ويجب أن تحتاطوا بسوء الظن فيه فهو الذي عصى ربه ولا يصح أن يطاع في أي أمر، ﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ [البقرة: 168] وعداوة الشيطان للإنسان قديمة من أيام آدم. ويقول الحق عن أوامر الشيطان: ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا على... ﴾.
2.169
والسوء هو كل ذنب لا حد فيه، مثل الغيبة أو النميمة، والفحشاء هي كل ذنب فيه حد وفيه عقوبة. والشيطان يأمركم أن تقولوا على الله ما تجهلون. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان... ﴾.
2.170
وهذه الآية تعالج قضية خطيرة في المجتمع الإسلامي، قضية تقليد الناس لعادات آبائهم. والتقليد هو نشأة طبيعية في الإنسان، لأن الإنسان حين يخرج للوجود ممدا بطاقة الحياة فهذه الطاقة تريد أن تتحرك وحركتها تأتي دائما وفق ما ترى من حركة السابق لها، فالطفل الصغير لا يعرف أن يده تتناول أشياء إلا إذا رأى في البيئة المحيطة به إنسانا يفعل ذلك، وحين يريد الطفل أن يتحرك، فهو يقلد حركة الذين حوله، ولذلك تجد الأطفال دائما يقلدون آباءهم في معظم حركاتهم، وحين يوجد الأطفال مع أجيال متعاقبة تمثل أعمارا مختلفة، فإن الطفل الصغير يقلد في حركته البدائية خليطا من حركات هذه الأجيال، فهو يقلد جده، ويقلد جدته، ويقلد أباه وأمه، وإخوته فتنشأ حركات مختلطة تمثل الأجيال كلها. ولذلك فاندماج الطفل في أسرة مكونة من آباء وأجداد، تمثل في الإنسان طبيعة الحياة المتصلة بمنهج الحركة في الأرض وبمنهج السماء لأن الطفل حين يعيش مع أبيه فقط، قد يجده مشغولا في حركة الحياة التي ربما شدته عن قيم الحياة أو عن منهج السماء لكنه حين يرى أبا لأبيه هو جده قد فرغ من حركة الحياة، واتجه إلى منهج القيم لأنه قريب عهد فيما يظن بلقاء الله، فإن كان لا يصلي في شبابه فهو يصلي الآن، وإن كان لا يفعل الطاعات سابقا أصبح يفعلها الآن، وهكذا يرى الطفل حركة الحياة الجامحة في الدنيا والتلهف عليها من أبيه، ويجد الإقبال على القيم والعبادات من جده، ولذلك تجده ربما عاون جده على الطاعة فساعة يسمع الطفل المؤذن يقول: " الله أكبر " ، فهو يعرف أن جده يريد أن يصلي فيذهب هو ويأتي بالسجادة ويفرشها لجده ويقف مقلدا جده، وإن كانت بنتا، فنحن نجدها تقلد أمها أو جدتها وتضع الغطاء على رأسها لتصلي، إذن، فاندماج الأجيال يعطي الخير من الحركتين، حركة مادية الحياة وحركة قيم منهج السماء، ولذلك يمتن الحق علينا قائلا:
وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة..
[النحل: 72]. إذن، فتقليد الأجيال اللاحقة للأجيال السابقة أمر تقتضيه طبيعة الوجود. وحين يدعو الله الناس أن يتبعوا ما ينزله على الرسل فهو ينهاهم أن يتبعوا تقليد الآباء في كل حركاتهم، لأنه قد تكون حركة الآباء قد اختلت بالغفلة عن المنهج أو بنسيان المنهج، لذلك يدعونا ويأمرنا سبحانه: أن ننخلع عن هذه الأشياء ونتبع ما أنزل الله، ولا نهبط إلى مستوى الأرض، لأن عادات ومنهج الأرض قد تتغير، ولكن منهج السماء دائما لا يتغير، فاتبعوا ما أنزل الله. والناس حين يحتجون يقولون: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. وتلك قضية تبريرية في الوجود، ولو كان ذلك حقا وصدقا، ومطابقا للواقع، لما كرر الله الرسالات بعد أن علم آدم كل المنهج الذي يريد لأننا لو كنا نتبع ما ألفينا عليه آباءنا.