2.62
بعد أن تحدث الحق سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل وكيف كفروا بنعمه.. أراد أن يعرض لنا حساب الأمم التي سبقت أمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ولقد وردت هذه الآية في سورة المائدة ولكن بخلاف يسير من التقديم والتأخير، ففي سورة المائدة:
إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى..
[المائدة: 69]. أي أنه في سورة المائدة تقدمت الصابئون على النصارى، واختلف الإعراب فبينما في البقرة و " والصابئين ".. وفي المائدة و " والصابئون ".. وردت آية أخرى في سورة الحج:
إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد
[الحج: 17]. الآيات الثلاث تبدو متشابهة.. إلا أن هناك خلافات كثيرة.. ما هو سبب التكرار الموجود في الآيات، وتقديم الصابئين مرة وتأخيرها.. ومع تقديمها رفعت وتغير الإعراب.. وفي الآيتين الأوليين البقرة والمائدة تأتي: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ [البقرة: 62].. أما في الآية التي في سورة الحج فقد زاد فيها:
والمجوس والذين أشركوا
[الحج: 17].. واختلف فيها الخبر.. فقال الله سبحانه وتعالى:
إن الله يفصل بينهم يوم القيامة
[الحج: 17]. عندما خلق الله آدم وأنزله ليعمر الأرض أنزل معه الهدى.. واقرأ قوله تعالى:
فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى
[طه: 123]. مفروض أن آدم أبلغ المنهج لأولاده.. وهؤلاء أبلغوه لأولادهم وهكذا.. وتشغل الناس الحياة وتطرأ عليهم الغفلة.. ويصيبهم طمع الدنيا وجشعها ويتبعون شهواتهم.. فكان لابد من رحمة الله لخلقه أن يأتي الرسل ليذكروا وينذروا ويبشروا.. الآية الكريمة تقول: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 62].. أي إيمان الفطرة الذي نزل مع آدم إلى الأرض، وبعد ذلك جاءت أديان كفر الناس بها فأبيدوا من على الأرض.. كقوم نوح ولوط وفرعون وغيرهم.. وجاءت أديان لها اتباع حتى الآن كاليهودية والنصرانية والصابئية، والله سبحانه وتعالى يريد أن يجمع كل ما سبق في رسالة محمد عليه الصلاة والسلام.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء لتصفية الوضع الإيماني في الأرض. إذن الذين آمنوا أولا سواء مع آدم أو مع الرسل.. الذين جاءوا بعده لمعالجة الداءات التي وقعت.. ثم الذين تسموا باليهود والذين تسموا بالنصارى والذين تسموا بالصابئة.. فالله تبارك وتعالى يريد أن يبلغهم لقد انتهى كل هذا.. فمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
. فكأن رسالته عليه الصلاة والسلام جاءت لتصفية كل الأديان السابقة.. وكل إنسان في الكون مطالب بأن يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام.. فقد دعى الناس كلهم إلى الإيمان برسالته.. ولو بقي إنسان من عهد آدم أو من عهد إدريس أو من عهد نوح أو إبراهيم أو هود.. وأولئك الذين نسبوا إلى اليهودية وإلى النصرانية وإلى الصابئية.. كل هؤلاء مطالبون بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والتصديق بدين الإسلام.. فالإسلام يمسح العقائد السابقة في الأرض، ويجعلها مركزة في دين واحد.. الذين آمنوا بهذا الدين ﴿ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ [البقرة: 62].. والذين لم يؤمنوا لهم خوف وعليهم حزن، وهذا إعلان بوحدة دين جديد.. ينتظم فيه كل من في الأرض إلى أن تقوم الساعة.. أما أولئك الذين ظلوا على ما هم عليه.. ولم يؤمنوا بالدين الجديد.. لا يفصل الله بينهم إلا يوم القيامة، ولذلك فإن الآية التي تضمنت الحساب والفصل يوم القيامة.. جاء فيها كل من لم يؤمن بدين محمد عليه الصلاة والسلام.. بما فيهم المجوس والذين أشركوا. والحق تبارك وتعالى أراد أن يرفع الظن.. عمن تبع دينا سبق الإسلام وبقي عليه بعد الإسلام.. وهو يظن أن هذا الدين نافعه.. نقول له أن الحق سبحانه وتعالى قد حسم هذه القضية في قوله تعالى: