تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" كلكم لآدم وآدم من تراب ".

وهكذا نرى أن هناك روابط إنسانية يلفتنا الله سبحانه وتعالى إليها. وهذه الروابط تبدأ بالأسرة ثم تتسع لتشمل القرية أو الحي، ثم تتسع لتشمل الدولة والمجتمع، ثم تتسع لتشمل المؤمنين جميعا، ثم تتسع لتشمل العالم كله. هذه هي الإخوة الإنسانية التي يريد الحق تبارك وتعالى أن يلفتنا إليها. ولكن اللفتة هنا لا تقتصر على الناحية الإنسانية، بل تسجل أن ما فعلوا معصية، ومخالفة لأمر الله تعالى. فالله أمر بأن نصل الرحم، وجاء هؤلاء وخالفوا وعصوا ما أمر الله به، وقطعوا هذه الصلة. إذن: فالمسألة فيها مخالفة لمنهج، وعصيان لأمر من أوامر الله سبحانه وتعالى. فصلة الرحم توجد نوعا من التكافل الاجتماعي بين البشر. فإذا حدث لشخص مصيبة.. أسرع أقاربه يقفون معه في محنته، ويحاول كل منهم أن يخفف عنه. هذا التلاحم بين الأسرة يجعلها قوية في مواجهة الأحداث، ولا يحس واحد منها بالضياع في هذا الكون، لأنه متماسك مع أسرته، متماسك مع حيه أو قريته، وهكذا يختفي الحقد من المجتمع، ويختفي التفكك الأسري.

ولعلنا إذا نظرنا إلي المجتمعات الغربية التي يعتريها تفكك الأسرة، نجد أن كل واحد منهم قد ضل طريقه وانحرف لأنه أحس بالضياع، فانحرف إلى المخدرات أو إلى الخمر أو إلى الزنا وغير ذلك من الرذائل التي نراها. جيل ضائع. من الذي أضاعه؟ عدم صلة الرحم. وإذا تحدثنا عن الانحرافات التي نراها بين الشباب اليوم فلا نلوم الشباب، ولكن نلوم الآباء والأمهات الذين تركوا أولادهم وبناتهم وأهدروا صلة الرحم. فشب جيل يعاني من عقد نفسية لا حدود لها، إن الابن الذي يفقد جو الأسرة، يفقد ميزان حياته. والله سبحانه وتعالى يريد المؤمنين متضامنين متحابين خالين من كل العقد التي تحطم الحياة. إذن فعدم صلة الرحم تضيع أجيالا بأكملها. ونأتي بعد ذلك إلي الصفة الثالثة من صفات الفاسقين بقوله تعالى: ﴿ ويفسدون في الأرض.. ﴾ [البقرة: 27]. نقول: كل ما في الكون مخلوق على نظام دقيق:

والذي قدر فهدى

[الأعلى: 3] أي: كل شيء له هدى لابد أن يتبعه. ولكن الإنسان جاء في مجال الاختيار وأفسد قضية الصلاح في الكون. ومن رحمة الله أنه جعل في كونه خلقا يعمل مقهورا، ليضبط حركة الكون الأعلى. فالشمس والنجوم والأرض وكل الكون ما عدا الإنس والجن، يسير وفق نظام دقيق. لماذا؟ لأنه يسير بلا اختيار له. والحق جل جلاله أخبرنا بأنه لكي يعتدل ميزان حياتنا، فلنحكم أنفسنا بمنهج الله. كما أن الكون المقهور محكوم بمنهج الله. فليس معنى الاختيار الإنساني أن نبتعد عن منهج الله. لأن الله له صفة القهر. فهو يستطيع أن يخلقنا مقهورين، ولكنه أعطانا الاختيار حتى نأتيه عن حب. وليس عن قهر. فأنت تحب الشهوات ولكنك تحب الله أكثر.. فتقيد نفسك بمنهج الله. إذن: فالاختيار لم يعط لنا لنفسد في الأرض. ولكنه أعطي لنا، لنأتي الله سبحانه وتعالى طائعين ولسنا مقهورين. ولذلك فكل منا مختار في أن يؤمن أو لا يؤمن، وهذا الاختيار يثبت محبوبية الله سبحانه وتعالى في قلوبنا، ولكن الإنسان بدلا من أن يأخذ الاختيار ليأتي الله عن حب، فينال الجزاء الأعظم، أخذه ليفسد في الأرض. والفساد أن تنقل مجال " افعل، ولا تفعل ". فتضع هذه مكان هذه، فينقلب الميزان أي: أنك - فيما قال الله فيه " افعل ". لا تفعل، وفيما قال: " لا تفعل " ، تفعل. فتكون قد جعلت ميزان حياتك معكوسا، لماذا؟ لأننا غير محكومين بقاعدة كلية تنظم حياة الناس. فكل واحد سيضع قاعدة له، وكل واحد لن يفعل، ما عليه، فيحدث تصادم في الحياة، وكل فساد يشكل قبحا في الوجود، فهب أنك تسير في الطريق، وترى عمارة مبنية حديثا قد تسربت المياه من مواسيرها. عندما ترى ذلك تتأذى لأن هناك قبحا في الوجود، في عدم أمانة إنسان في عمله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٨