إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيات لأولي الألباب
[آل عمران: 190]. فلو أنهم نظروا في خلق السماوات والأرض لاهتدوا بفطرتهم إلى أن لهذا الوجود المتقن المحكم صانعا قد صنعه، لكنهم لا يعقلون، لأن عملية العقل تنشأ بعد أن تسمع، وبعد اكتمال الحواس، ولذلك فالإنسان في تكوينه الأول حركي حسي، يرى ويسمع ويتذوق ثم تتكون عنده من بعد ذلك القضايا العقلية. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم... ﴾.
2.172
وهذا خطاب من الله للذين آمنوا بأن يأكلوا من الطيبات، وقد سبق في الآية 168 خطاب مماثل في الموضوع نفسه ولكن للناس جميعا وهو قوله تعالى:
يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا
[البقرة: 168]. وقلنا: إن الحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب الناس جميعا، فهو يلفتهم إلى قضية الإيمان، ولكن حين يخاطب المؤمنين فهو يعطيهم أحكام الإيمان، فالله لا يكلف بحكم إلا من آمن به، أما من لم يؤمن به، فلا يكلفه بأي حكم، لأن الإيمان التزام. وما دمت قد التزمت بأنه إله حكيم فخذ منه أحكام دينك. وعدل الله اقتضى ألا يكلف إلا من يؤمن، وهذا على خلاف مألوف البشر، لأن تكليفات القادة من البشر للبشر تكون لمن يرضى بقيادتهم ومن لم يرض، وإذا كان للقائد من البشر قوة، فإنه يستخدمها لإرغام من يوجدون تحت ولايته على تنفيذ ما يقول. وخطاب الله للمؤمنين هنا جاء بقوله: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ [البقرة: 172]، ذلك أن المؤمن يتقين تماما بأن الله هو الخالق وهو الذي يرزق. ويذيل الآية الكريمة بقوله: ﴿ واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ﴾ [البقرة: 172]، فشكر العبد المؤمن للرب الخالق واجب، ما دام العبد المؤمن يختص الله بالعبادة. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل به لغير الله... ﴾.