تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.256

إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا نحن العباد المؤمنين ولسائر البشرية أنه: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ [البقرة: 256]. والإكراه هو أن تحمل الغير على فعل لا يرى هو خيرا في أن يفعله. أي لا يرى الشخص المكره فيه خيرا حتى يفعله. ولكن هناك أشياء قد نفعلها مع من حولنا لصالحهم، كأن نرغم الأبناء على المذاكرة، وهذا أمر لصالح الأبناء، وكأن نجبر الأطفال المرضى على تناول الدواء. ومثل هذه الأمور ليست إكراها، إنما هي أمور نقوم بها لصالح من حولنا لأن أحدا لا يسره أن يظل مريضا. إن الإكراه هو أن تحمل الغير على فعل من الأفعال لا يرى فيه هو الخير بمنطق العقل السليم. ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ [البقرة: 256]. ومعنى هذه الآية أن الله لم يكره خلقه - وهو خالقهم - على دين، وكان من الممكن أن الله يقهر الإنسان المختار، كما قهر السماوات والأرض والحيوان والنبات والجماد، ولا أحد يستطيع أن يعصي أمره. فيقول سبحانه:

لو يشآء الله لهدى الناس جميعا..

[الرعد: 31]. لكن الحق يريد أن يعلم من يأتيه محبا مختارا وليس مقهورا، أن المجيء قهرا يثبت له القدرة، ولا يثبت له المحبوبية، لكن من يذهب له طواعية وهو قادر ألا يذهب فهذا دليل على الحب، فيقول تعالى: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ [البقرة: 256] أي أنا لم أضع مبدأ الإكراه، وأنا لو شئت لآمن من في الأرض كلهم جميعا. فهل الرسل الذين أرسلهم سبحانه يتطوعون بإكراه الناس؟. لا، إن الرسول جاء لينقل عن الله لا ليكره الناس، وهو سبحانه قد جعل خلقه مختارين، وإلا لو أكرههم لما أرسل الرسل، ولذلك يقول المولى عز وجل:

ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين

[يونس: 99]. إن الرسول له مهمة البلاغ عن الله لأن الله لم يرد خلقه مكرهين على التدين، إذن فالمبلغ عنه لا يكره خلقه على التدين، إلا أن هنا لبسا. فهناك فرق بين القهر على الدين، والقهر على مطلوب الدين، هذا هو ما يحدث فيه الخلاف. تقول لمسلم: لماذا لا تصلي؟ يقول لك: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ [البقرة: 256]، ويدعي أنه مثقف، ويأتيك بهذه الآية ليلجمك بها، فتقول له: لا. ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ [البقرة: 256] عقيدة وإيمانا، إنما إن آمنت وأعلنت أنك آمنت بالله وصرت معنا مسلما فلا بد أن تعرف أنك إن كسرت حكما من أحكام الإسلام نطلب منك أن تؤديه، أنت حر أن تؤمن أو لا تؤمن، لكن حين التزمت بالإيمان، فعليك مسئولية تنفيذ مطلوب الإيمان، وإلا حسب تصرفك أنه من تصرفات الإسلام، فإذا كنت تشرب خمرا فإنك حر لأنك كافر مثلا، لكن أتؤمن ثم تشرب خمرا!؟ لا.

أنت بذلك تكسر حدا من حدود الله، وعليك العقاب. ولأنك ما دمت قد علمت كعاقل رشيد مطلوب الإسلام، فعليك أن تنفذ مطلوب الإسلام، ولذلك لم يكلف الله الإنسان قبل أن ينضج عقله بالبلوغ حتى لا يقال: إن الله قد أخذ أحدا بالإيمان وألزمه به قبل أن يكتمل عقله. بل ترك التكليف حتى ينضج الإنسان ويكتمل، حتى إذا دخل إلى دائرة التكليف عرف مطلوباته، وهو حر أن يدخل إلى الإيمان أو لا يدخل، لكن إن دخل سيحاسب. إذن فلا يقل أحد عندما يسمع حكما من أحكام الدين: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ [البقرة: 256] لأن هذه الآية نزلت بشأن العقيدة الأساسية، فإن اتبعت هذه العقيدة صار لزاما عليك أن توفي بمطلوباتها. وقد أراد خصوم الإسلام أن يصعدوا هذه العملية فقالوا كذبا وافتراء: إن الإسلام انتشر بحد السيف. ونقول لهم: لقد شاء الله أن ينشأ الإسلام ضعيفا ويضطهد السابقون إليه بكل أنواع الاضطهاد، ويعذبون، ويخرجون من ديارهم ومن أموالهم ومن أهلهم، ولا يستطيعون عمل شيء. إذن ففترة الضعف التي مرت بالإسلام أولا فترة مقصودة. ونقول لهم أيضا: من الذي قهر وأجبر أول حامل للسيف أن يحمل السيف؟! والمسلمون ضعاف ومغلوبون على أمرهم، لا يقدرون على أن يحموا أنفسهم، إنكم تقعون في المتناقضات عندما تقولون: إن الإسلام نشر بالسيف. ويتحدثون عن الجزية رفضا لها، فنقول: وما هي الجزية التي يأخذها الإسلام من غير المسلمين كضريبة للدفاع عنهم؟ لقد كان المسلمون يأخذون الجزية من البلاد التي دخلها الفتح الإسلامي، أي أن هناك أناسا بقوا على دينهم. وما دام هناك أناس باقون على دينهم فهذا دليل على أن الإسلام لم يكره أحدا. وقول الله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ [البقرة: 256] علته أن الرشد واضح والغي واضح، وما دام الأمر واضحا فلا يأتي الإكراه. لأن الإكراه يأتي في وقت اللبس، وليس هناك لبس، لذلك يقول الحق: ﴿ قد تبين الرشد من الغي ﴾ [البقرة: 256]. وما دام الرشد بائنا من الغي فلا إكراه. لكن الله يعطيك الأدلة، وأنت أيها الإنسان بعقلك يمكنك أن تختار، كي تعرف أنك لو دخلت الدين لالتزمت، وحوسبت على دخولك في الدين، فلا تدخل إلا وأنت مؤمن واثق بأن ذلك هو الحق لأنه سيترتب عليه أن تقبل أحكام الدين عليك. ﴿ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ﴾ [البقرة: 256] والرشد: هو طريق النجاة، و " الغي ": هو طريق الهلاك. ويقول الحق إيضاحا للرشد والغي في آية أخرى من آيات القرآن الكريم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٤