" لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. فقالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا حتى يتغمدني الله برحمته ".
إذن فالمؤمن يرجو الله ولا يشترط على الله، إن المؤمن يتجه بعمله خالصا لله يرجو التقبل والمغفرة والرحمة، وكل ذلك من فضل الله. ويأتي الحق لسؤال آخر: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير... ﴾.
2.219
والخمر - كما نعرف - مأخوذة من الستر، ويقال: " دخل فلان في خمرة " أي في أيكة من الأشجار ملتفة فاختبأ فيها. و " الخمار " هو القناع الذي ترتديه المسلمة لستر رأسها، وهو مأخوذ أيضا من نفس المادة. و " خامره الأمر " أي خالطه. وكل هذه المعاني مأخوذة من عملية الستر. و " الميسر " مأخوذة من اليسر لأنه يظهر للناس بمكاسب يسيرة بلا تعب. والخمر والميسر من الأمور التي كانت معروفة في الجاهلية. والإسلام حين جاء ليواجه نظما جاهلية واجه العقيدة بلا هوادة، ولم يجابهها ويواجهها على مراحل بل أزالها من أول الأمر، ورفع راية " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ، ثم جاء الإسلام في الأمور التي تعتبر من العادات فبدأ يهونها لأن الناس كانت تألفها، لذلك أخذها بشيء من الرفق والهوادة. وكان هذا من حكمة الشرع، فلم يجعل الأحكام في أول الأمر عملية قسرية فقد يترتب عليها الخلل في المجتمع وفي الوجود كله، وإنما أخذ الأمور بالهوادة. وإذا كانت الخمرة مأخوذة من الستر، فماذا تستر؟ إنها تستر العقل بدليل أن من يتعاطاها يغيب عن وعيه. ولا يريد الله سبحانه وتعالى للإنسان الذي كرمه الله بالعقل أن يأتي للشيء الذي كرمه به ويسير به أمور الخلافة في الأرض ويستره ويغيبه، لأن من يفعل ذلك فكأنه رد على الله النعمة التي أكرمه بها، وهذا هو الحمق. ثم إن كل الذي يتعاطون الخمر يبررون فعلهم بأنهم يريدون أن ينسوا هموم الدنيا، ونسأل هؤلاء: وهل نسيان الهموم يمنع مصادرها؟ لا، ولذلك فالإسلام يطلب منك أن تعيش همومك لتواجهها بجماع عقلك، فإذا كانت هناك هموم ومشكلات فالإسلام لا يريد منك أن تنساها، لا، بل لابد أن توظف عقلك في مواجهتها، وما دام المطلوب منك أن تواجه المشكلات بعقلك فلا تأتي لمركز إدارة الأمور الحياتية وهو العقل، والذي يعينك على مواجهة المشكلات وتقهره بتغييبه عن العمل. وهل النسيان يمنع المصائب؟ إن الذي يمنع المصائب هو أن تحاول بجماع فكرك أن تجد السبيل للخروج منها، فإذا كان الأمر ليس في استطاعتك فمن الحمق أن تفكر فيه لأن الله يريد منك أن تريح عقلك في مثل هذه الأمور، وإن كان الأمر له حل وفي استطاعتك حله، فأنت تحتاج للعقل بكامل قوته. والحق سبحانه وتعالى يرشدنا في هذه القضية بحكمة الحكيم، ويعطينا عطاء لنحكم نحن في الأمر قبل أن يطلب منا. إنه - سبحانه - يمتن علينا ويقول:
ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا
[النحل: 67]. فعندما ذكر الله " سكرا " مر عليها بلا تعليق.
وعندما قال: " رزقا " وصفه بأنه " حسنا " فكان يجب أن نتنبه إلى أن الله يمهد لموقف الإسلام من الخمر فهو لم يصف " السكر " بأي وصف، وجعل للرزق وصفا هو الحسن فالناس عندما يستخرجون من هذه الثمرات سكرا، فهم قد أخرجوها عن الرزق الحسن، لأن هناك فرقا بين أن تأخذ من العنب غذاء وبين أن تخمره فتفسده وتجعله ساترا للعقل. وبعد ذلك فهناك فرق بين تشريع ونصح. فعندما تنصح شخصا فأنت تقول له: سأدلك على طريق الخير وأنت حر في أن تسير فيه أو لا تسير. وعندما تشرع وتضع الحكم، فأنت تأمر هذا الشخص أو ذاك بأن يفعل الأمر ولا شيء سواه. والحق سبحانه وتعالى عندما قال: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ [البقرة: 219]، ذكر لنا المفاسد وترك لنا الحكم عليها، قال سبحانه مبلغا رسوله: ﴿ قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس ﴾ [البقرة: 219] ولو لم يقل ﴿ ومنافع للناس ﴾ [البقرة: 219] لاستغرب الناس وقالوا: نحن نأخذ من الخمر منافع، ونكسب منها، وننسى بها همومنا، كانت هذه هي المنافع بالنسبة لهم، لكن الحق يوضح أن إثمهما أكبر من نفعهما، أي أن العائد من وراء تعاطيهما أقل من الضرر الحادث منهما، وهذا تقييم عادل، فلم تكن المسألة قد دخلت في نطاق التحريم، لأنها مازالت في منطقة النصح والإرشاد. وقوله تعالى: ﴿ وإثمهمآ أكبر من نفعهما ﴾ [البقرة: 219] يجعل فيهما نوعا من الذنب، لقد كان التدرج في الحكم أمرا مطلوبا لأنه سبحانه يعالج أمرا بإلف العادة، فيمهد سبحانه ليخرجه عن العادة. والعادة شيء يقود إلى الاعتياد بحيث إذا مر وقت ولم يأت ما تعودت عليه نفسيتك ودمك يحدث لك اضطراب. وما دامت المسألة تقود إلى الاعتياد، فالأفضل أن تسد الباب من أوله وتمنع الاعتياد. لقد كانت بداية الحكم في أمر الخمر أن أحدا من المسلمين شرب الخمر قبل أن تحرم نهائيا، وجاء ليصلي، فقال: " قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون " وبعدها نزل تأديب الحق بقوله: