تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم..

[البقرة: 45-46]. إذن العبادة أمر ونهي.. أمر يشق على نفسك فتستثقله، ونهي عن شيء محبب إلى نفسك يعطيك لذة عاجلة ولذلك تريد أن تفعله.. إذن فقوله تعالى: ﴿ ونحن له عابدون ﴾ [البقرة: 138].. أي مطيعون لأوامره لأننا آمنا بالآمر إلها وربا يعبد.. فإذا آمنت حبب الله إليك فعل الأشياء التي كنت تستثقلها وسهل عليك الامتناع عن الأشياء التي تحبها لأنها تعطيك لذة عاجلة.. هذه هي صبغة الله التي تعطينا العبادة.. واقرأ قوله تبارك وتعالى:

واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون

[الحجرات: 7]. وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى بصبغة الإيمان يحبب إلينا الخير ويجعلنا نبغض الشر.. لا عن رياء ونفاق خارج النفس كالطلاء ولكن كالصبغة التي تتخلل الشيء وتصبح هي وهو شيئا واحدا لا يفترقان..

2.139

تحديد الأمر بقل إيقاظ لمهمة التكليف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.. والله سبحانه وتعالى حين يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام - قل - كان يكفي أن يقول ما يريده سبحانه.. فأنت إذا قلت لابنك اذهب إلى أخيك وقل له أبوك يأمرك بكذا فيذهب الولد ويقول هذا الكلام دون أن يقول كلمة قل.. ولكن خطاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بكلمة قل تلفتنا إلى أن هذا الأمر ليس من عنده ولكنه من عند الله سبحانه، ومهمة الرسول هي البلاغ. إن تكرار كلمة " قل " في الآيات هي نسبة الكلام المقول إلى عظمة قائله الأول وهو الله تبارك وتعالى.. فالكلام ليس من عند رسول الله ولكن قائله هو الله جل جلاله. قوله تعالى: ﴿ قل أتحآجوننا في الله وهو ربنا وربكم ﴾ [البقرة: 139].. المحاجة معناها حوار بالحجة، كل من المتحاورين يأتي بالحجة التي تؤيد رأيه أو وجهة نظره.. وإذا قرأت قوله تعالى:

ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه..

[البقرة: 258]. أي قال كل منهما حجته.. ولابد أن يكونا خصمين كل منهما يعاند رأيه الرأي الآخر وكل يحاول أن يأتي بالحجة التي تثبت صدق كلامه فيرد عليه خصمه بالحجة التي تهدم هذا الكلام وهكذا. قوله تعالى: ﴿ أتحآجوننا في الله وهو ربنا وربكم ﴾ [البقرة: 139].. وما دام الله رب الجميع كان من المنطق أن نلتقي لأنه ربي وربكم حظنا منه سواء.. ولكن ما دامت قد قامت الحجة بيننا فأحدنا على باطل.. واقرأ قوله سبحانه:

والذين يحآجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد

[الشورى: 16]. والمحاجة لا يمكن أن تقوم بين حق وحق وإنما تقوم بين حق وباطل وبين باطل وباطل.. لأن هناك حقا واحدا ولكن هناك مائة طريق إلى الباطل.. فما دامت المحاجة قد قامت بيننا وبينكم ونحن على حق فلابد أنكم على باطل.. وليحسم الحق سبحانه وتعالى هذه المسألة ويمنع الجدل والجدال قال سبحانه: ﴿ ولنآ أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون ﴾ [البقرة: 139].. أي لا نريد جدلا لأن الجدل لن يفيد شيئا.. نحن لنا أعمالنا وأنتم لكم أعمالكم وكل عمل سيجازى صاحبه عليه بمدى إخلاصه لله.. ونحن أخلصنا العبادة لله وحدة وأنتم اتجهتم بعبادتكم إلى ما تحبه أهواؤكم. إن الله سبحانه وتعالى الذي هو ربنا وربكم لا يفضل أحدا على أحد إلا بالعمل الصالح المخلص لوجه الله.. ولذلك فنحن نضع الإخلاص أولا وقد يكون العمل واحدا أمام الناس.

. هذا يأخذ به ثوابا وذلك يأخذ به وزرا وعذابا فالمهم هو أن يكون العمل خالصا لله. قد يقول إنسان إن الإخلاص في العمل والعمل مكانه القلب.. وما دام الإنسان لا يؤذي أحدا ولا يفعل منكرا فليس من الضروري أن يصلي ما دامت النية خالصة.. نقول إن المسألة ليست نيات فقط ولكنها أعمال ونيات.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٦