2.184-185
﴿ أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ [البقرة: 184]. وكلمة " أياما " تدل على الزمن وتأتي مجملة، وقوله الحق عن تلك الأيام: إنها " معدودات " يعني أنها أيام قليلة ومعروفة. ومن بعد ذلك يوضح الحق لنا مدة الصيام فيقول: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ﴾ [البقرة: 185]. إذن، فمدة الصيام هي شهر رمضان، ولأنه سبحانه العليم بالضرورات التي تطرأ على هذا التكليف فهو يشرع لهذه الضرورات، وتشريع الله لرخص الضرورة إعلام لنا بأنه لا يصح مطلقا لأي إنسان أن يخرج عن إطار الضرورة التي شرعها الله، فبعض من الذين يتفلسفون من السطحيين يحبون أن يزينوا لأنفسهم الضرورات التي تبيح لهم الخروج عن شرع الله، ويقول الواحد منهم:
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها..
[البقرة: 286]. ونقول: إنك تفهم وتحدد الوسع على قدر عقلك ثم تقيس التكليف عليه، برغم أن الذي خلقك هو الذي يكلف ويعلم أنك تسع التكليف، وهو سبحانه لا يكلف إلا بما في وسعك بدليل أن المشرع سبحانه يعطي الرخصة عندما يكون التكليف ليس في الوسع. ولنر رحمة الحق وهو يقول: ﴿ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ [البقرة: 185]، وكلمة " مريضا " كلمة عامة، وأنت فيها حجة على نفسك وبأمر طبيب مسلم حاذق يقول لك: " إن صمت فأنت تتعب " والمرض مشقته مزمنة في بعض الأحيان، ولذلك تلزم الفدية بإطعام مسكين. وكذلك يرخص الله لك عندما تكون " على سفر ". وكلمة " سفر " هذه مأخوذة من المادة التي تفيد الظهور والانكشاف، ومثل ذلك قولنا: " أسفر الصبح ". وكلمة " سفر " تفيد الانتقال من مكان تقيم فيه إلى مكان جديد، وكأنك كلما مشيت خطوة تنكشف لك أشياء جديدة، والمكان الذي تنتقل إليه هو جديد بالنسبة لك، حتى ولو كنت قد اعتدت أن تسافر إليه لأنه يصير في كل مرة جديدا لما ينشأ عنه من ظروف عدم استقرار في الزمن، صحيح أن شيئا من المباني والشوارع لم يتغير، ولكن الذي يتغير هو الظروف التي تقابلها، وصحيح أن ظروف السفر في زماننا قد اختلفت عن السفر من قديم الزمان.
إن المشقة في الانتقال قديما كانت عالية، ولكن لنقارن سفر الأمس مع سفر اليوم من ناحية الإقامة. وستجد أن سفر الآن بإقامة الآن فيه مشقة، ومن العجب أن الذين يناقشون هذه الرخصة يناقشونها ليمنعوا الرخصة، ونقول لهم: اعلموا أن تشريع الله للرخص ينقلها إلى حكم شرعي مطلوب وفي ذلك يروي لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال: " ما هذا " فقالوا: صائم فقال: " ليس من البر الصوم في السفر ".
وعندما تقرأ النص القرآني تجده يقول: ﴿ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ [البقرة: 185] أي أن مجرد وجود في السفر يقتضي الفطر والقضاء في أيام أخر، ومعنى ذلك أن الله لا يقبل منك الصيام، صحيح أنه سبحانه لم يقل لك: " افطر " ولكن مجرد أن تكون مريضا مرضا مؤقتا أو مسافرا فعليك الصوم في عدة أيام أخر وأنت لن تشرع لنفسك. ولنا في رسول الله أسوة حسنة فقد نهى عن صوم يوم عيد الفطر، لأن عيد الفطر سمي كذلك، لأنه يحقق بهجة المشاركة بنهاية الصوم واجتياز الاختبار، فلا يصح فيه الصوم، والصوم في أول أيام العيد إثم، لكن الصوم في ثاني أيام العيد جائز، لحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم