تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشرح الحق سبحانه آية الدين، وأخذت هذه الآية أطول حيز في حجم آيات القرآن، لماذا؟. لأن على الدين هذا تبنى قضايا المجتمع الاقتصادية عند من لا يجد موردا ماليا يسير به حركة حياته. وحين وضع الحق آية الدين لم يضعها وضعا تقنينيا جافا جامدا، وإنما وضعها وضعا وجدانيا. أي مزج التقنين بالوجدان، مزج الحق جمود القانون بروح الإسلام، فلم يجعلها عملية جافة. والمشرعون من البشر عندما يقننون فهم يضعون القانون جافا، فمثال ذلك: من قتل يقتل، وغير ذلك. لكن الحق يقول غير ذلك حتى في أعنف قضايا الخلاف، وهي خلافات الدم، فقال سبحانه:

فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة..

[البقرة: 178]. والحق سبحانه وتعالى قبل أن يأتي بآية الدين، يقول: ﴿ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله... ﴾.

2.281

ولقد أوضحنا من قبل أن تقوى الله تقتضي أن تقوم بالأفعال التي تقينا صفات الجلال في الله، وأوضحنا أن الله قال: " اتقوا النار " أي أن نفعل ما يجعل بيننا وبين النار وقاية، فالنار من متعلقات صفات الجلال. وها هو ذا الحق سبحانه هنا يقول: " اتقوا يوما " ، فهل نتقي اليوم، أو نتقي ما ينشأ في اليوم؟ إن اليوم ظرف زمان، والأزمان لا تخاف بذاتها، ولكن يخاف الإنسان مما يقع في الزمن. لكن إذا كان كل شيء في الزمن مخيفا، إذن فالخوف ينصب على اليوم كله، لأنه يوم هول كل شيء فيه مفزع ومخوف، وقانا الله وإياكم ما فيه من هول، وانظر إلى الدقة القرآنية المتناهية في قوله: ﴿ ترجعون فيه إلى الله ﴾ [البقرة: 281]. إن الرجوع في هذا اليوم لا يكون بطواعية العباد ولكن بإرادة الله. وسبحانه حين يتكلم عن المؤمنين الذين يعملون الصالح من الأعمال فإنه يقول عن رجوعهم إلى الله يوم القيامة:

واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم وأنهم إليه راجعون

[البقرة: 45-46]. ومعنى ذلك أن العبد المؤمن يشتاق إلى العودة إلى الله لأنه يرغب في أن ينال الفوز. أما غير المؤمنين فيقول عنهم الحق:

يوم يدعون إلى نار جهنم دعا

[الطور: 13]. إن رجوع غير المؤمنين يكون رجوعا قسريا لا مرغوبا فيه. والحق يقول عن هذا اليوم: ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴾ [البقرة: 281]. وبعد ذلك يقنن الحق سبحانه للدين فيقول سبحانه: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٨