تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي: أنك لو قلت: محمد مجتهد، فلابد أن يكون هناك شخص اسمه محمد. ولابد أن يكون مجتهدا فعلا لتتطابق النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية. فإذا لم يكن هناك شخص اسمه محمد. أو كان هناك شخص اسمه محمد ولكنه ليس مجتهدا، فإن النسبة الكلامية تخالف النسبة الواقعية. والصدق أن تتطابق النسبة الكلامية والنسبة الواقعية، والكذب ألا تتطابق النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية.. هذا المفهوم ضرورة لعرض معنى الآية الكريمة. إذن: فقوله تعالى ﴿ صادقين ﴾ [البقرة: 23] أي: أن تتطابق النسب الكلامية التي ستقولونها مع نسبة واقعية تستطيعون أن تدللوا عليها، فإن لم يحدث ذلك فأنتم كاذبون. فالله سبحانه وتعالى يريد منكم الدليل على صدقكم.

2.24

بعد أن تحدث الله سبحانه وتعالى عن الأدلة التي يستند إليها المشككون في القرآن الكريم، وهي أدلة لا تستند إلى عقل ولا إلى منطق تحداهم بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، وأن يستعينوا بمن يريدون من دون الله، لأن القرآن كلام الله، والله سبحانه هو القائل. وبما أنهم يحاولون التشكيك في أن القرآن كلام الله، وأنه منزل من عند الله، فليستعينوا بمن يريدون ليأتوا بآية من مثله، لأن التحدي هنا لا يمكن أن يتم إلا إذا استعانوا بجميع القوى ما عدا الله سبحانه وتعالى. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك بالنتيجة قبل أن يتم التحدي. لأن الله سبحانه وتعالى يعلم أنهم لن يفعلوا ولن يستطيعوا. إن قوله سبحانه: ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا.. ﴾ [البقرة: 24] معناه: أنه حكم عليهم بالفشل وقت نزول القرآن وبعد نزول القرآن إلى يوم القيامة لأن الله لا يخفى عن علمه شيء، فهو بكل شيء عليم. وكلمة " لم تفعلوا " عندما تأتي قد تثير الشك. فنحن نعرف أن مجيء " إن " الشرطية يثير الشك.. لأن الأمر لكي يتحقق يتعلق بشرط. وأنت إن قلت: إن ذاكرت تنجح، ففي المسألة شك.. أما إذا قلت كقول الحق

إذا جآء نصر الله والفتح

[النصر: 1] فمعنى ذلك أن نصر الله آت لا محالة. و " إن " حرف و " إذا " ظرف، وكل حدث يحتاج إلى مكان وزمن. فإذا جئت بأداة الشرط فمعنى ذلك أنك تقربها من عنصر تكوين الفعل والحدث. فإذا أردت أن تعبر عن شيء سيتحقق تقول إذا، وإذا أردت أن تشكك فيه تقول " إن " والله سبحانه وتعالى قال " فإن لم تفعلوا " ولأن الفعل ممكن الحدث أراد أن يرجح الجانب المانع فقال: " ولن تفعلوا " هذا أمر اختياري. فإذا تكلمت عن أمر اختياري ثم حكمت أنه لن يحدث، فكأن قدرتك هي التي منعته من الفعل، فلا يقال إنك قهرته على ألا يفعل. لا، بل علمت أنه لن يفعل. فاستعداداته لا يمكن أن تمكنه من الفعل. وهذه أمور ضمن اخبارات القرآن الكريم في القضايا الغيبية التي أخبر عنها، فعندما يقول الله سبحانه وتعالى

وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم..

[النمل: 14] معناها: أنهم مصدقون، ولكن ألسنتهم لا تعترف بذلك. وقوله تعالى ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا.. ﴾ [البقرة: 24] معناها: أن الشك مفتعل في نفوسهم هم لا يريدون أن يؤمنوا ولذلك يأتون بسبب مفتعل لعدم الإيمان. لقد استقر فكرهم على أنهم لا يؤمنون، وما دام هذا هو ما قررتموه. فإنكم ستظلون تبحثون عن أسباب ملفقة لعدم الإيمان.

وقوله تعالى: ﴿ فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة.. ﴾ [البقرة: 24]. الحق سبحانه وتعالى يريد هنا أن يلفتنا إلى صورة أخرى عن عجز هؤلاء الكفار. فهم بحثوا عن أعذار، ليبرروا بها عدم إيمانهم، وتظاهروا بأنهم يشكون في القرآن الكريم. فكأنه يقول لهم: لو كانت لكم قدرة وذاتية فعلا فامنعوا أنفسكم من دخول النار يوم القيامة. كما منعتم انفسكم من الإيمان في الدنيا. وهذا وعيد من الله. لقد أعطاهم ذاتية الاختيار في الدنيا، ولم يختاروا قهرا بل اختاروا عدم الإيمان بمشيئة الاختيار التي أعطاه الله لهم، ولكن هناك وقتا ليس فيه اختيار وهو الآخرة، فحاولوا أن تتقوا في الآخرة عذاب النار يوم القيامة، ولكن لن يكون لأحد اختيار، فالله سبحانه وتعالى يقول في ذلك اليوم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٠