ويختم الحق الآية بقوله: ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ [البقرة: 173] ونتساءل: ما علاقة " غفور رحيم " بهذه الآية إن المغفرة والرحمة تقتضيان ذنوبا، وما سبق كله هو قول الحق وتشريعه، وتحريم الميتة إلا عند الضرورة هو كلام الحق، والمضطر حين يأخذ منها على قدر الضرورة فإنما هو إباحة من الحق، فلا ذنب - إذن - يقتضي تذييل الآية بقوله: ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ [البقرة: 173]؟. ونقول: إذا كان الله يغفر مع الذنب، أفلا يغفر مع الضرورة التي شرع لها الحكم، إن المنطق يقول: إن الله يغفر الذنب الذي يحدث بلا مناسبة تستدعيه، أفلا يغفر للمضطر الذي أجبرته الظروف على أكل الميتة؟. إن الله غفور في الأصل أفلا يغفر لمن أعطاه رخصة؟ إذن فهو غفور رحيم، ولن يكتب على المضطر ذنبا من جراء اضطراره. إن رحمة الله التي تغفر للعاصي الذي اجترأ على الحق بلا مناسبة، هو سبحانه الذي كتب المغفرة لمن اضطر وكسر قاعدة التحريم عند الاضطرار. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في... ﴾.
2.174
إن الحق سبحانه وتعالى ينزل بوساطة رسله على خلقه ليحكم المنهج حركة الحياة للناس وعلى الناس، إنه يحكم للناس أي لمصالحهم، ويحكم على الناس إن فوتوا المصالح، لأن الذي يفوت مصلحة لسواه عنده، لابد أن يلحظ أن غيره سيفوت عليه مصلحة عنده. إذن، فمن الإنصاف في التشريع أن تجعل له وعليه، فكل " تكليف عليه " يقابله " تكليف له " ، لأنه إن كان له حق، فحقه واجب على سواه، وما دام حقه واجبا على ما سواه، فلزم أن يكون حق غيره واجبا عليه وإلا فمن أين يأخذ صاحب الحق حقه؟ والحق سبحانه وتعالى حين ينزل المنهج يبلغه الرسل ويحمله أولو العلم ليبلغوه للناس، فالذين يكتمون ما أنزل الله إنما يصادمون منهج السماء. ومصادمة منهج السماء من خلق الله لا تتأتى إلا من إنسان يريد أن ينتفع بباطل الحياة ليأكل حق الناس. فحين يكتمون ما أنزل الله، فقد أصبحوا عوائق لمنهج الله الذي جاء ليسيطر على حركة الحياة. وما نفعهم في ذلك؟. لابد أن يوجد نفع لهم، هذا النفع لهم هو الثمن القليل، مثل " الرشا " ، أو الأشياء التي كانوا يأخذونها من أتباعهم ليجعلوا أحكام الله على مقتضى شهوات الناس. فالله يبين لهم: أن الشيء لا يثمن إلا بتثمين من يعلم حقيقته، وأنتم تثمنون منهج الله، ولا يصح أن يثمن منهج الله إلا الله، ولذلك يجب أن يكون الثمن الذي وضعه الله لتطبيق المنهج ثمنا مربحا مقنعا لكم، فإن أخذتم ثمنا على كتمان منهج الله وأرضيتم الناس بتقنين يوافق أهواءهم وشهواتهم، فقد خسرتم في الصفقة لأن ذلك الثمن مهما علا بالتقدير البشري، فهو ثمن قليل وعمره قصير. والأثمان عادة تبدأ من أول شيء يتعلق بحياة الإنسان هو قوام حياته من مأكل ومشرب، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ [البقرة: 174] وإذا كانوا يأكلون في بطونهم نارا فكيف يكون استيعاب النار لكل تلك البطون؟ لأن المؤمن كما قال الرسول يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء، أي أن الكافر لا يأكل إلا تلذذا بالطعام فهو يريد أن يتلذذ به دائما حتى يضيق بطنه بما يدخل فيه. لكن المؤمن يأخذ من الطعام بقدر قوام الحياة، فسيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف:
" حسب ابن آدم لقيمات يقمن أوده ".
إذن: فالأكل عند المؤمن هو لمقومات الحياة وكوقود للحركة، ولكن الكافر يأخذ الأكل كأنه متعة ذاتية. والحق يقول: ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ [البقرة: 174] يعني كما أرادوا امتلاء بطونهم شهوة ولذة، فكذلك يجعل الله العذاب لهم من جنس ما فعلوه بالثمن القليل الذي أخذوه، فهم أخذوا ليملأوا بطونهم من خبيث ما أخذوا وسيملأ الله بطونهم نارا، جزاء وفاقا لما فعلوا، وهذا لون من العقاب المادي يتبعه لون آخر من العقاب هو ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ [البقرة: 174] أي أن الحق ينصرف عنهم يوم لا أنس للخلق إلا بوجه الحق.