تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.196

والنسق القرآني نسق عجيب، فأنتم تذكرون أنه تكلم عن الصيام، ورمضان يأتي قبل أشهر الحج، فكان طبيعيا أن يتكلم عن الحج بعد أن تكلم عن رمضان وعن الأهلة وعن جعل الأهلة مواقيت للناس والحج كما أن هناك شيئا آخر يستدعي أن يتكلم في الحج وهو الكلام عن القتال في الأشهر الحرم، وعن البيت الحرام فقد قال سبحانه:

ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه..

[البقرة: 191]. إذن فالكلام عن الحج يأتي في سياقه الطبيعي. وحين يقول الله: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ [البقرة: 196] نفهم منه أن الأمر بإتمام الشيء لا يكون إلا إذا جاء الأمر بفرض هذا الفعل، فكأنك بدأت في العمل بعد التشريع به، ويريد منك سبحانه ألا تحج فقط، ولكن يريد منك أن تتمه وتجعله تاما مستوفيا لكل مطلوبات المشرع له. وساعة يقول الحق: ﴿ وأتموا الحج والعمرة ﴾ [البقرة: 196] لقائل أن يقول: إن الحج شيء والعمرة شيء آخر، بدليل عطفها عليه، والعطف يقتضي المغايرة كما يقتضي المشاركة، فإن وجدت مشاركة ولم توجد مغايرة فلا يصح العطف، بل لابد أن يوجد مشاركة ومغايرة. والمشاركة بين الحج والعمرة أن كليهما نسك وعبادة، وأما المغايرة فهي أن للحج زمنا مخصوصا ويشترط فيه الوقوف بعرفة، وأما العمرة فلا زمن لها ولا وقفة فيها بعرفة. ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول في مشروعية الحج:

ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا..

[آل عمران:97]. ولم يأت في تلك الآية بذكر العمرة، ومنها نعرف أن الحج شيء والعمرة شيء آخر، والمفروض علينا هو الحج. ولذلك أقول دائما لابد لنا أن نأخذ القرآن جملة واحدة، ونأتي بكل الآيات التي تتعلق بالموضوع لنفهم المقصود تماما، فحين يقول الحق في قرآنه أيضا: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ [البقرة: 196] نعرف من ذلك أن العمرة غير الحج، وحين تقرأ قول الله في سورة براءة:

وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر..

[التوبة: 3]. نعرف أن هناك حجا أكبر، وحجا ثانيا كبيرا. ولذلك فآية

ولله على الناس حج البيت

[آل عمران: 97] جاءت بالبيت المحرم، وهو القدر المشترك في الحج والعمرة. ونعرف أن الحج الأكبر هو الحج الذي يقف فيه المسلم بعرفة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

" الحج عرفة "

وهو الحج الأكبر لأن الحشد على عرفة يكون كبيرا، وهو يأتي في زمن مخصوص ويشترط فيه الوقوف بعرفة. إذن قوله تعالى:

ولله على الناس حج البيت

[آل عمران: 97] الحج هو القصد إلى معظم وهو " حج البيت " ، أما العمرة فهي الحج الكبير وزمانها شائع في كل السنة، والقاصدون للبيت يتوزعون على العام كله.

وذلك قد ثبت بالتشريع بقوله سبحانه:

ولله على الناس حج البيت

[آل عمران: 97]. وما دام جاء بالأمر المشترك في قوله: حج البيت فهو يريد الحج الأكبر والحج الكبير. والحق سبحانه وتعالى يخاطب عباده ويعلم أن بعض الناس سيقبلون على العبادات إقبالا شكليا، وقد يقبلون على العبادة لأغراض أخرى غير العبادة، فكان لابد أن يبين القصد من الحج والعمرة، وأن المطلوب هو إتمامها، ولابد أن يكون القصد لله لا لشيء آخر، لا ليقال " الحج فلان " ، أو ليشتري سلعا رخيصة ويبيعها بأغلى من ثمنها بعد عودته. ونحن نعلم أن الحج هو العبادة الوحيدة التي يستمر اقترانها بفاعلها، فمثلا لا يقال: " المصلى فلان " ولا " المزكي فلان " ، فإن كان الحاج حريصا على هذا اللقب، وهو دافعه من وراء عبادته فلا بد ألا يخرج بعبادته عن غرضها المشروعة من أجله، إن الحق يقول: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ [البقرة: 196]. وكلمة " لله " تخدمنا في قضايا متعددة، فما هي هذه القضايا؟ إن المسلم عندما يريد أن يحج لله فلا يصح أن يحج إلا بمال شرع الله وسائله. كثير من الناس حين يسمعون الحديث الشريف:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٠