تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الأحقاف: 15]. إن الأم هي الحاضنة الطبيعية للطفل كما أرادها الحق. إذن، فالحق يريد أن يحمي اللبنة الأولى في تكوين المجتمع وهي الأسرة في البناء العقدي من أن تتأثر بالشرك، ويريد أن يحفظ للأسرة كيانا سليما. ويعالج الحق بعد ذلك قضية التواصل مع المرأة أثناء فترة الحيض فيأتي التشريع ليقنن هذه المسألة لأن الإسلام جاء وفي الجو الاجتماعي تياران: تيار يرى أن الحائض هي امرأة تعاني من قذارة، لذلك لا يمكن للزوج أن يأكل معها أو يسكن معها أو يعاشرها أو يعيش معها في بيت واحد وكذلك أبناؤه. وتيار آخر يرى المرأة في فترة الحيض امرأة عادية لا فرق بينها وبين كونها غير حائض أي تباشر حياتها الزوجية مع زوجها دون تحوط أو تحفظ. كان الحال - إذن - متأرجحا بين الإفراط والتفريط، فجاء الإسلام ليضع حدا لهذه المسألة فيقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض... ﴾.

2.222

حين تقرأ ﴿ هو أذى ﴾ [البقرة: 222] فقد أخذت الحكم ممن يؤمن على الأحكام، ولا تناقش المسألة، مهما قال الطب من تفسيرات وتعليلات وأسباب نقول له: لا، الذي خلق قال: ﴿ هو أذى ﴾ [البقرة: 222]. والمحيض يطلق على الدم، ويراد به - أيضا - مكان الحيض، ويراد به زمان الحيض. وقوله تعالى عن المحيض إنه أذى يهيئ الذهن لأن يتلقى حكما في هذا الأذى، وبذلك يستعد الذهن للحظر الذي سيأتي به الحكم. وقد جاء الحكم بالحظر والمنع بعد أن سبقت حيثيته. إن الحق سبحانه وتعالى وهو الخالق أراد أن تكون عملية الحيض في المرأة عملية كيماوية ضرورية لحياتها وحياة الإنجاب. وأمر الرجال أن يعتزلوا النساء وهن حوائض لأن المحيض أذى لهم. لكن هل دم الحيض أذى للرجال أو للنساء؟ إنه أذى للرجال والنساء معا لأن الآية أطلقت الأذى، ولم تحدد من المقصود به. والذي يدل على ذلك أن الحيض يعطي قذارة للرجل في مكان حساس هو موضع الإنزال عنده، فإذا وصلت إليه الميكروبات تصيبه بأمراض خطيرة. والذي يحدث أن الحق قد خلق رحم المرأة وفي مبيضيها عدد محدد معروف له وحده سبحانه وتعالى من البويضات، وعندما يفرز أحد المبيضين البويضة فقد لا يتم تلقيح البويضة، فإن بطانة الرحم المكون من أنسجة دموية تقل فيها نسبة الهرمونات التي تثبت بطانة الرحم، وعندما تقل نسبة الهرمونات يحدث الحيض. والحيض هو دم يحتوي على أنسجة غير حية، وتصبح منطقة المهبل والرحم في حالة تهيج، لأن منطقة المهبل والرحم حساسة جدا لنمو الميكروبات المسببة للإلتهابات سواء للمرأة، أو للرجل إن جامع زوجته في فترة الحيض. والحيض يصيب المرأة بأذى في قوتها وجسدها بدليل أن الله رخص لها ألا تصوم وألا تصلي إذن فالمسألة منهكة ومتعبة لها، فلا يجوز أن يرهقها الرجل بأكثر مما هي عليه. إذن فقوله تعالى: ﴿ هو أذى ﴾ [البقرة: 222] تعميم بأن الأذى يصيب الرجل والمرأة. وبعد ذلك بين الحق أن كلمة " أذى " حيثية تتطلب حكما يرد، إما بالإباحة وإما بالحظر، وما دام هو أذى فلابد أن يكون حظرا. يقول عز وجل: ﴿ فاعتزلوا النسآء في المحيض ولا تقربوهن ﴾ [البقرة: 222] والذي يقول: إن المحيض هو مكان الحيض يبني قوله بأن المحرم هو المباشرة الجنسية، لكن ما فوق السرة وما فوق الملابس فهو مباح، فقوله الحق: ﴿ ولا تقربوهن ﴾ أي لا تأتوهن في المكان الذي يأتي منه الأذى وهو دم الحيض. ﴿ حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ [البقرة: 222]. و " يطهرن " من الطهور مصدر طهر يطهر، وعندما نتأمل قوله: ﴿ فإذا تطهرن ﴾ [البقرة: 222] نجد أنه لم يقل: " فإذا طهرن " ، فما الفرق بين " طهر " و " تطهر "؟ إن " يطهرن " معناها امتنع عنهن الحيض، و " تطهرن " يعني اغتسلن من الحيض ولذلك نشأ خلاف بين العلماء، هل بمجرد انتهاء مدة الحيض وانقطاع الدم يمكن أن يباشر الرجل زوجته، أم لابد من الانتظار حتى تتطهر المرأة بالاغتسال؟.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨٧