يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا..
[التحريم: 6]. أي اجعلوا بينكم وبين النار حاجزا. وقلنا: إن من العجب أن كلمة " اتقوا " تأتي إلى الشيء الذي هو " اتقوا النار " وتأتي إلى " اتقوا الله " ، كيف يكون التقوى في متناقضين؟ نعم: لأن معنى اتقوا النار، أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية، وهل النار فاعلة بذاتها أم بتسليط الله لها على العاصي؟ إنها فاعلة بتسليط الله لها على العاصي. إذن اتقوا الله معناها اتقوا متعلق صفات الجلال من الله، لأن لله صفات جمال وصفات جلال، فاجعلوا بينكم وبين صفات الجلال من الله وقاية، لأنكم لا تتحملون غضب الله، ولا قهر الله، ولا بطش الله، فاجعلوا بينكم وبين صفات جلاله وقاية، ومن آثار صفات جلاله النار. فالمسألة متساوية ولا تناقض فيها. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى... ﴾.
2.178
وساعة ينادي الله ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 178] فهذا النداء هو حيثية الحكم الذي سيأتي، ومعنى هذا القول: أنا لم أكلفكم اقتحاما على إرادتكم أو على اختياركم، وإنما كلفتكم لأنكم دخلتم إلي من باب الإيمان بي، وما دمتم قد آمنتم بي فاسمعوا مني التكليف. فالله لم يكلف من لم يؤمن به، وما دام الله لا يكلف إلا من آمن به فإيمانك به جعلك شريكا في العقد، فإن كتب عليك شيئا فأنت شريك في الكتابة، لأنك لو لم تؤمن لما كتب، فكأن الصفقة انعقدت، وما دامت الصفقة قد انعقدت فأنت شريك في التكليف، ولذلك يقول الله: " كتب " بضم الكاف. ولم يقل " كتب " بفتح الكاف. وتلحظ الفرق جليا في الأشياء التي للإنسان دخل فيها، فهو سبحانه يقول:
كتب الله لأغلبن أنا ورسلي..
[المجادلة: 21]. إنه سبحانه هنا الذي كتب، لأنه لا شريك له. عندما تقرأ ﴿ كتب عليكم ﴾ فافهم أن فيها إلزاما ومشقة، وهي على عكس " كتب لكم " مثل قوله تعالى:
قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا..
[التوبة: 51]. إن " كتب لنا " تشعرنا أن الشيء لمصلحتنا. وفي ظاهر الأمر يبدو أن القصاص مكتوب عليك، وساعة يكتب عليك القصاص وأنت قاتل فيكون ولي المقتول مكتوبا له القصاص، إذن كل " عليك " مقابلها " لك " ، وأنت عرضة أن تكون قاتلا أو مقتولا. فإن كنت مقتولا فالله كتب لك. وإن كنت قاتلا فقد كتب الله عليك. لأن الذي " لي " لابد أن يكون " على " غيري، والذي " علي " لابد أن يكون " لغيري ". فالتشريع لا يشرع لفرد واحد وإنما يشرع للناس أجمعين. عندما يقول: ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ [البقرة: 178]، ثم يقول في الآية التي بعدها:
ولكم في القصاص حياة
[البقرة: 179]، فهو سبحانه قد جاء ب " لكم " ، و " عليكم ". " عليكم " للقاتل، و " لكم " لولي المقتول. فالتشريع عادل لأنه لم يأت لأحد على حساب أحد، والعقود دائما تراعي مصلحة الطرفين. ﴿ يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ﴾ [البقرة: 178]. من هو الحر؟ الحر ضد العبد وهو غير مملوك الرقبة، والحر من كل شيء هو أكرم ما فيه، ويقال: حر المال يعني أكرم ما في المال. و " الحر " في الإنسان هو من لا يحكم رقبته أحد. و " الحر " من البقول هو ما يؤكل غير ناضج، أي غير مطبوخ على النار، كالفستق واللوز. والحق سبحانه يقول: ﴿ الحر بالحر ﴾ [البقرة: 178]، وظاهر النص أن الحر لا يقتل بالعبد، لأنه سبحانه يقول: ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ [البقرة: 178]، لكن ماذا يحدث لو أن عبدا قتل حرا، أو قتلت امرأة رجلا هل نقتلهما أم لا؟ إن الحق يضع لمسألة الثأر الضوابط، وهو سبحانه لم يشرع أن الحر لا يقتل إلا بالحر، وإنما مقصد الآية أن الحر يقتل إن قتل حرا، والعبد يقتل إن قتل عبدا، والأنثى مقابل الأنثى، هذا هو إتمام المعادلة، فجزاء القاتل من جنس ما قتل، لا أن يتعداه القتل إلى من هو أفضل منه.