2.76
هذه صور من صور نفاق اليهود. والناس مقسمون إلى ثلاث: مؤمنون وكافرون منافقون.. المؤمن انسجم مع نفسه ومع الكون الذي يعيش فيه.. والكافر ولا انسجم مع نفسه ولم ينسجم مع الكون، والكون يلعنه.. والمنافق لا انسجم مع نفسه ولا انسجم مع الكون، والآية تعطينا صورة من صور النفاق وكيف لا ينسجم المنافق مع نفسه ولا مع الكون.. فهو يقول ما لا يؤمن به.. وفي داخل نفسه يؤمن بما لا يقول.. والكون كله يلعنه، وفي الآخرة هو في الدرك الأسفل من النار. وهذه الآية تتشابه مع آية تحدثنا عنها في أول هذه السورة.. وهي قوله تعالى:
وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون
[البقرة: 14]. في الآية الأولى كان الدور لليهود، وكان هناك منافقون من غير اليهود وشياطينهم من اليهود.. وهنا الدور من اليهود والمنافقين من اليهود. الحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ [البقرة: 76] وهل الإيمان كلام؟.. الإيمان يقين في القلب وليس كلاما باللسان.. والاستدلال على الإيمان بالسلوك فلا يوجد إنسان يسلك سبيل المؤمنين نفاقا أو رياء.. يقول آمنت نفاقا ولكن سلوكه لا يكون سلوك المؤمن.. ولذلك كان سلوكهم هو الذي يفضحهم. يقول تعالى: ﴿ وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ﴾ [البقرة: 76].. وفي سورة أخرى يقول الحق:
وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ..
[آل عمران: 119]. وفي سورة المائدة يقول سبحانه:
وإذا جآءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به..
[المائدة: 61]. هنا أربع صور من صور المنافقين.. كلها فيها التظاهر بإيمان كاذب.. في الآية الأولى
وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم
[البقرة: 14] وفي الآية الثانية: ﴿ وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ﴾ [البقرة: 76]. وفي الآية الثالثة:
عضوا عليكم الأنامل من الغيظ
[آل عمران: 119]. وفي الآية الرابعة:
وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به
[المائدة: 61]. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بعث كان اليهود يقولون للمؤمنين هذا هو نبيكم موجود عندنا في التوراة أوصافه كذا.. حينئذ كان أحبار اليهود ينهونهم عن ذلك ويقولون لهم: ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم ﴾ [البقرة: 76] فكأنهم علموا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنهم أرادوا أن يخفوها.. إن الغريب أنهم يقولون: ﴿ بما فتح الله عليكم ﴾ [البقرة: 76]. وإذا كان هذا فتحا من الله فلا فضل لهم فيه.. ولو أراد الله لهم الفتح لآمنت القلوب.
. قوله تعالى: ﴿ ليحآجوكم به عند ربكم ﴾ [البقرة: 76] يدل على أن اليهود المنافقين والكفار وكل خلق الأرض يعلمون أنهم من خلق الله، وأن الله هو الذي خلقهم.. وما داموا يعلمون ذلك فلماذا يكفرون بخالقهم؟ ﴿ ليحآجوكم به ﴾ [البقرة: 76] أي لتكون حجتهم عليكم قوية عند الله.. ولكنهم لم يقولوا عند الله بل قالوا ﴿ عند ربكم ﴾ [البقرة: 76] والمحاجة معناها أن يلتقي فريقان لكل منهما وجهة نظر مختلفة. وتقام بينهما مناظرة يدلي فيها كل فريق بحجته. واقرأ قوله تعالى:
ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك..
[البقرة: 258]. هذه هي المناظرة التي حدثت بين إبراهيم عليه السلام والنمرود الذي آتاه الله الملك.. ماذا قال إبراهيم؟
إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت..
[البقرة: 258]. هذه كانت حجة إبراهيم في الدعوة إلى الله، فرد عليه النمرود بحجة مزيفة. قال أنا أحيي وأميت.. ثم جاء بواحد من جنوده وقال لحراسه اقتلوه.. فلما اتجهوا إليه قال اتركوه.. ثم التفت إلى إبراهيم:
قال أنا أحيي وأميت..