2.25
وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى لنا مصير الكافرين الذين يشككون في القرآن ليتخذوا من ذلك عذرا لعدم الإيمان، قال: إذا كنتم قد اخترتم عدم الإيمان، بما أعطيتكم من اختيار في الدنيا، فإنكم في الآخرة لن تستطيعوا أن تتقوا النار، ولن تكون لكم إرادة. ثم يأتي الحق تبارك وتعالى بالصورة المقابلة. والقرآن الكريم إذا ذكرت الجنة يأتي الله بعدها بالصورة المقابلة وهي العذاب بالنار. وإذا ذكرت النار بعذابها ولهيبها ذكرت بعدها الجنة. وهذه الصورة المتقابلة لها تأثير على دفع الإيمان في النفوس، فإذا قرأ الإنسان وصفا للعذاب، ثم جاء بعد ذلك النعيم فإنه يعرف أنه قد فاز مرتين، فالذي يزحزح عن النار ولا يدخلها يكون ذلك فوزا ونعمة، فإذا دخل الجنة تكون نعمة أخرى، ولذلك فإن الله تعالى يقول:
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز..
[آل عمران: 185]. ولم يقل سبحانه: ومن أدخل الجنة فقد فاز لأن مجرد أن تزحزح عن النار فوز عظيم.. وفي الآخرة. وبعد الحساب يضرب الصراط فوق جهنم، ويعبر من فوقه المؤمنون والكافرون. فالمؤمنون يجتازون الصراط المستقيم كل حسب عمله منهم من يمر بسرعة البرق، ومنهم من يمر أكثر بطأ.. وهكذا، والكافرون يسقطون في النار. ولكن لماذا يمر المؤمنون فوق الصراط. والله سبحانه وتعالى قال:
وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا
[مريم: 71-72]. لأن مجرد رؤية المؤمنين لجهنم نعمة كبرى، فحين يرون العذاب الرهيب الذي أنجاهم الإيمان منه يحس كل منهم بنعمة الله عليه. أنه أنجاه من هذا العذاب، وأهل النار وأهل الجنة يرى بعضهم بعضا، فأهل الجنة حينما يرون أهل النار يحسون بعظيم نعمة الله عليهم إذ أنجاهم منها، وأهل النار حين يرون أهل الجنة يحسون بعظيم غضب الله عليهم أن حرمهم من نعيمه، فكأن هذه الرؤية نعيم لأهل الجنة وزيادة في العذاب لأهل النار.. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وبشر.. ﴾ [البقرة: 25] والبشارة هي الإخبار بشيء سار قادم لم يأت وقته بعد. فأنت إذا بشرت إنسانا بشيء أعلنته بشيء سار قادم. والبشارة هنا جاءت بعد الوعيد للكافرين. والإنذار هو إخبار بأمر مخيف. لم يأت وقته بعد. ولكن البشارة تأتي أحيانا في القرآن الكريم ويقصد بها الكفار. واقرأ قوله تعالى:
ويل لكل أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم
[الجاثية: 7-8]. البشارة هنا تهكمية من الله سبحانه وتعالى، فالحق تبارك وتعالى يريد أن يزيد عذاب الكفار، فعندما يسمعون كلمة " فبشرهم " يعتقدون أنهم سيسمعون خبرا سارا، فيأتي بعدها العذاب الأليم ليزيدهم غما على غم.
يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. ﴾ [البقرة: 25]. البشرى هنا إعلام بخير قادم للمؤمنين، والإيمان هو الرصيد القلبي للسلوك لأن من يؤمن بقضية يعمل من أجلها، التلميذ يذاكر لأنه مؤمن أنه سينجح، وكل عمل سلوكي لابد أن يوجد من ينبوع عقيدي. والإيمان أن تنسجم حركة الحياة مع ما في القلب وفق مراد الله سبحانه وتعالى، ونظام الحياة لا يقوم إلا على إيمان.. فكأن العمل الصالح ينبوعه الإيمان. ولذلك يقول القرآن الكريم:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات..
[العصر: 1-3]. وفي آية أخرى:
ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين
[فصلت: 33]. ولكن هل يكفي الإعلان عن كوني من المسلمين؟ لا.. بل لابد أن يقترن هذا الإعلان بالعمل بمرادات الله سبحانه وتعالى. الحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن قولنا: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " لابد أن يصاحبه عمل بمنهج الإسلام.. ذلك أن نطقنا بالشهادة لا يزيد في ملك الله شيئا.. فالله تبارك وتعالى شهد بوحدانية ألوهيته لنفسه، وهذه شهادة الذات للذات.. ثم شهد الملائكة شهادة مشهد لأنهم يرونه سبحانه وتعالى، ثم شهد أولو العلم شهادة دليل بما فتح عليهم الله جل جلاله من علم.. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: