شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم
[آل عمران: 18]. ولكن الحق سبحانه وتعالى يريد من المؤمنين أن يعملوا بالمنهج.. لماذا؟ حتى لا تتعاند حركة الحياة بل تتساند.. وما دامت حركة الحياة مستقيمة، فإنها تصبح حياة متساندة وقوية، وعندما انتشر الإسلام في بقاع الأرض لم يكن الهدف أن يؤمن الناس فقط لمجرد الإيمان، ولكن لابد أن تنسجم حركة الحياة مع منهج الإسلام.. فإذا ابتعدت حركة الحياة عن المنهج حينئذ لا يخدم قضية الدين أن يؤمن الناس أو لا يؤمنوا.. ولذلك لابد أن ينص على الإيمان والعمل الصالح.. ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [البقرة: 25].. والصالحات هي جمع صالحة والصالحة هي الأمر المستقيم مع المنهج، وضدها الفساد.. وحين يستقبل الإنسان الوجود، فإن أقل الصالحات هو أن يترك الصالح على صلاحه أو يزيده صلاحا. الحق تبارك وتعالى يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار.. والجنات جمع جنة، وهي جمع لأنها كثيرة ومتنوعة، وهناك درجات في كل جنة أكثر من الدنيا.. واقرأ قوله تبارك وتعالى:
انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا
[الإسراء: 21]. الجنات نفسها متنوعة.
. فهناك جنات الفردوس، وجنات عدن، وجنات نعيم، وهناك دار الخلد، ودار السلام، وجنة المأوى.. وهناك عليون الذي هو أعلى وأفضل الجنات، وأعلى ما فيها التمتع برؤية الحق تبارك وتعالى.. وهو نعيم يعلو كثيرا عن أي نعيم في الطعام والشراب في الدنيا. والطعام والشراب بالنسبة لأهل الجنة لا يكون عن جوع أو ظمأ، وإنما عن مجرد الرغبة والتمتع. والله جل جلاله في هذه الآية يعد بأمر غيبي، ولذلك فإنه لكي يقرب المعنى إلى ذهن البشر لابد من استخدام ألفاظ مشهودة وموجودة أي: عن واقع نشهده. واقرأ، قوله تبارك وتعالى:
فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون
[السجدة: 17]. إذن: ما هو موجود في الجنة لا تعلمه نفس في الدنيا.. ولا يوجد لفظ في اللغة يعبر عنه، ولا ملكة من ملكات المعرفة كالسمع والنظر قد رأته، ولذلك استخدم الحق تبارك وتعالى الألفاظ التي تتناسب مع عقولنا وإدراكنا.. فقال تعالى: ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار.. ﴾ [البقرة: 25]. على أن هناك آيات أخرى تقول:
تجري من تحتها الأنهار..
[التوبة: 100] ما الفرق بين الاثنين؟ قوله تعالى:
تجري من تحتها الأنهار..
[التوبة: 100] أي: أن نبع الماء من مكان بعيد وهو يمر من تحتها.. أما قوله تعالى: ﴿ من تحتها الأنهار.. ﴾ [البقرة: 25] فكأن الأنهار تنبع تحتها.. حتى لا يخاف إنسان من أن الماء الذي يأتي من بعيد يقطع عنه أو يجف.. وهذه زيادة لاطمئنان المؤمنين أن نعيم الجنة باق وخالد. وما دام هناك ماء، فهناك خضرة ومنظر جميل ولابد أن يكون هناك ثمر.. وفي قوله تعالى: ﴿ كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها.. ﴾ [البقرة: 25]. حديث عن ثمر الجنة.. وثمر الجنة يختلف عن ثمر الدنيا.. إنك في الدنيا لابد أن تذهب إلى الثمرة وتأتي بها أو يأتيك غيرك بها.. ولكن في الجنة الثمر هو الذي يأتي إليك، بمجرد أن تشتهيه تجده في يدك.. وتعتقد أن هناك تشابها بين ثمر الدنيا وثمر الجنة.. ولكن الثمر في الجنة ليس كثمر الدنيا، لا في طعمه ولا في رائحته.. وإنما يرى أهل الجنة ثمرها، ويتحدثون ويقولون ربما تكون هذه الثمرة هي ثمرة المانجو أو التين الذي أكلناه في الدنيا، ولكنها في الحقيقة تختلف تماما.. قد يكون الشكل متشابها ولكن الطعم وكل شيء مختلف. في الدنيا كل طعام له فضلات يخرجها الإنسان.. ولكن في الآخرة لا يوجد لطعام فضلات، بل إن الإنسان يأكل كما يشاء دون أن يحتاج إلى إخراج فضلات، وذلك لاختلاف ثمار الدنيا عن الآخرة في التكوين. إذن، ففي الجنة الأنهار مختلفة والثمار مختلفة، والجنة يكون الرزق فيها من الله سبحانه وتعالى الذي يقول " للشيء كن فيكون ".