تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون

[البقرة: 186]. هذا ليس لكل خلق الله، ولكنه للعباد الذين إذا قال الله تعالى لهم افعلوا فعلوا وإذا قال الله لا تفعلوا لم يفعلوا. أي: أنهم لا يخالفون - بقدرتهم على الاختيار - منهج الله سبحانه وتعالى. ولذلك في الجهاد لا يقول الحق سبحانه وتعالى عن المجاهدين أنهم عبيد. بل يقول جل جلاله:

فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا

[الإسراء: 5].

وبعض المستشرقين الذين يحاولون الطعن في القرآن الكريم يقولون: إن كلمة عباد قد جاءت في وصف غير المؤمن في قوله تعالى:

أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل

[الفرقان: 17]. نقول: إنكم لم تفهموا أن هذا يحدث ساعة الحساب في الآخرة، وفي الآخرة كلنا عباد لأننا كلنا مقهورون فلا اختيار لأحد في الآخرة، وإنما الاختيار البشري ينتهي ساعة الاحتضار، ثم يصبح الإنسان بعد ذلك مقهورا. فنحن جميعا في الآخرة عباد، ولكن الفرق بين العبيد والعباد هو في الحياة الدنيا فقط. والعبودية هي أرقى مراتب القرب من الله تعالى لأنك تأتي إلى الله طائعا، منفذا للمنهج باختيارك. ولقد عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ملكا رسولا، أو عبدا رسولا. فاختار أن يكون عبدا رسولا. وإذا أردنا أن نعرف معنى العبودية نقرأ في سورة الإسراء:

سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله

[الإسراء: 1]. لنرى أنه في أعلى درجات الإنعام من الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم في المعجزة الكبرى التي لم تحدث لبشر قبله صلى الله عليه وسلم سواء كان رسولا أو غير رسول، ولن تحدث لبشر بعده.. ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد إلى السماوات السبع بالروح وبالجسد ثم عاد إلى الأرض.. وتجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة جبريل فتجاوز سدرة المنتهى وهي المكان الذي ينتهي إليه علم خلق الله من البشر والملائكة المقربين. وبشرية الرسول أخذت جدلا كبيرا منذ بدأت الرسالات السماوية، وحتى عصرنا هذا. واقرأ قوله تعالى:

فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا..

[هود: 27]. وقوله تعالى:

فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلال وسعر

[القمر: 24]. وقوله تعالى:

وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا

[الإسراء: 94]. وقوله تعالى:

ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون

[المؤمنون: 34]. إذن، فبشرية الرسول اتخذت حجة للذين لا يريدون أن يؤمنوا، والرسول مبلغ عن الله. ولابد أن يكون من جنس القوم الذين أرسل إليهم، ولابد أن يكون قد عاش بينهم فترة قبل الرسالة واشتهر بالأمانة والصدق حتى لا يكذبوه. وفي الوقت نفسه هو قدوة. ولذلك لابد أن يكون من جنس قومه، لأنه سيطبق المنهج علميا أمامهم، ولو كان من جنس آخر لقالوا: لا نطيق ما كلفتنا به يا رب لأن هذا الرسول مخلوق من غير مادتنا، ومقهور على الطاعة. إذن: فبشرية الرسول حتمية. وكل من يحاول أن يعطي الرسول صفة غير البشرية، إنما يحاول أن ينقص من كمالات رسالات الله، والله سبحانه وتعالى ليس عاجزا، عن أن يحول البشر إلى ملائكة، واقرأ قوله تعالى:

ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون

[الزخرف: 60]. إذن: فبشرية الرسول هي من تمام الرسالة. ثم يأتي التحدي من الله سبحانه وتعالى ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ والمطلوب أن يأتي العرب بسورة من مثل ما جاء به القرآن الكريم. الشهود الذين يطلب الله دعوتهم هم شهود ضعفاء، شهود من البشر وليست شهادة من الله بالغيب. والله سبحانه وتعالى وضع في هذه الآية معظم الشكوك لنفحصها، ولنصل فيما بعد ذلك إلى جوهر الإعجاز القرآني. والحق سبحانه وتعالى تدرج في التحدي مع الكافرين. فطلب منهم أن يأتوا بمثل القرآن، ثم طلب عشر سور من مثله، ثم تدرج في التحدي فطلب سورة واحدة، والنزول في التحدي - من القرآن كله إلى عشر سور إلى سورة واحدة - دليل ضد من تحداهم. فلا يستطيعون أن يأتوا بمثل القرآن، فيقول: إذن فأتوا بعشر سور، فلا يستطيعون ويصبح موقفهم مدعاة للسخرية، فيقول: فأتوا بسورة، وهذا منتهى الاستهانة بالذين تحداهم الله سبحانه وتعالى، وإثبات لأنهم لا يقدرون على شيء. وكلمة " بمثل " معناها أن الحق سبحانه وتعالى يطلب المثيل ولا يطلب نص القرآن، وهذا إمعان وزيادة في إظهار عجز القوم الذين لا يؤمنون بالله ويشككون في القرآن. وقوله تعالى: ﴿ وادعوا شهدآءكم ﴾. معناه: أن الله سبحانه وتعالى زيادة في التحدي يطالبهم بأن يأتوا هم بالشهداء ويعرضوا عليهم الآية ليحكم هؤلاء الشهود إذا كان ما جاءوا به مثل القرآن أم لا. أليس هذا إظهارا المنتهى القوة لله سبحانه وتعالى لأنه لم يشترط شهداء من الملائكة ولا شهداء من الذين اشتهر عنهم الصدق، وأنهم يشهدون بالحق، بل ترك الحق سبحانه لهم أن يأتوا بالشهداء، وهؤلاء الشهداء لن يستطيعوا أن يشهدوا أن كلام هؤلاء المشككين يماثل سورة من القرآن. الله سبحانه وتعالى طلب منهم أن يأتوا بأي شهداء متحيزين لهم، وأطلقها سبحانه وتعالى على كل أجناس الأرض فقال: ﴿ من دون الله إن كنتم صادقين ﴾ [البقرة: 23] ولكن إياكم أن تقولوا يشهد الله بأن ما جئنا به مثل القرآن لأنكم تكونون قد كذبتم على الله وادعيتم شيئا لم يقله سبحانه وتعالى. ولكن ما معنى قوله تعالى: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ [البقرة: 23] صادقين في ماذا؟ وما هو الصدق؟ الصدق يقابل الكذب، والصدق والكذب كل منهما نسبي. كلنا يعلم أن هناك كلاما غير مفيد، فإذا قلت: محمد، وسكت فمن يسمعك سيسألك: ماذا تقصد بقولك: محمد؟ وسؤاله دليل على أنه لم يستفد شيئا، ولكنه لو سألك: من عندك؟ وأجبت: محمد. فكأنك تخبره بأن عندك محمدا، وهذه كلمة واحدة لكنك فهمتها بالمعنى الذي أخذته من كلام السائل. إذن: فلا تقل كلمة واحدة، ولكن قل كلاما مفيدا. إذن: فالكلام المفيد هو الذي يسكت السامع عليه. وكل متكلم قبل أن ينطق بالكلام يكون عنده نسبة ذهنية لما سيقول، يعبر عنها بنسبة كلامية، ولكن هناك نسبة خارجية لما يقول تمثل الواقع.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٩