تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما يعلم جنود ربك إلا هو..

[المدثر: 31] ويذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: يا رسول الله لقد أشرب قلبي الإيمان ولا يعلم أحد بإيماني وأنا أشهد أنك رسول الله، واسم هذا الرجل نعيم بن مسعود الأشجعي فقال له رسول الله: " أنت رجل واحد وما غناؤك لي، لكن اكتم إيمانك وخذل عنا ". هذه أول مسألة في قضية كتم الإيمان، إذن: فكتم الإيمان جائز وله مهمة. فقال الرجل: لكن يا رسول الله سأضطر لأن أقول غير الحقيقة - أكذب يعني - قال: افعل ما تحب. فما كان من نعيم بن مسعود إلا أن ذهب إلى قريش وغطفان وقال لهم: أنتم تعلمون ودي لكم ومحبتي إياكم وقد جئتكم بنصيحة لأبرئ ذمتي من الوفاء لكم. إن اليهود ندموا على معاداة محمد وهم يريدون أن يتراجعوا ولن يتراجعوا إلا بشيء تكون لهم يد يطمئنون إلى معاهدة محمد. فإذا أردتم أن تناجزوا محمدا مع هؤلاء وتضمنوا عدم خيانتهم فسوف يطلبون منكم سبعين رجلا رهينة من قريش وغطفان مخافة أنكم إذا اشتدت الحرب وحميت تتركوهم وترجعوا إلى بلادكم ويظلون هم في مواجهة محمد ويكونون هم أعداءه. ثم ذهب إلى اليهود فقال لهم: أنتم تعلمون مودتي لكم ومحبتي إياكم، وإن هؤلاء القوم يعني قريشا وغطفان ليسوا من بلدكم ولهم مكانتهم في بلادهم، ولهم أموالهم وأهلوهم، فإن استشعروا شيئا فروا وتركوكم في مواجهة محمد، فلتأخذوا منهم سبعين رجلا رهينة حتى تضمنوهم. فلما جاء أبو سفيان وقال: لقد طال بنا الموقف وتعب الخف والحافر وطالت المدة، فيا معشر يهود هيا لننجز مهمتنا، قالوا: هذا يوم السبت ولا نقاتل فيه، ونحن لا نقاتل الرجل إلا أن نضمن أنكم معنا إلى نهاية المعركة فأعطونا سبعين رجلا منكم رهنا. عندها علم أبو سفيان أن كلام نعيم صحيح، فقال: ليس لنا أن نعود إلى بلادنا، ثم قال: يا قوم لينظر كل واحد منكم من عن يمينه ومن عن شماله لأننا سنقول كلاما مهما. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل إليهم سيدنا حذيفة، فكان بين صفوفهم فبادر من عن يمينه وسأله: من أنت؟ ومن عن شماله وسأله: من أنت؟ وكانت فطنة ولباقة منه حتى لا يسأله أحد ولا ينكشف أمره. بعد ذلك قال أبو سفيان: لم يعد أمامنا إلا الرحيل حتى لا نقع في مخالب اليهود فهيا، وضرب راحلته فقامت وهي معقولة فانقطع العقال.

الشاهد هنا أن نعيم بن مسعود كتم إيمانه عن القوم ليتمكن من القول الذي قاله، وإن كان غير الواقع، وهو لم يفعل ذلك إلا بعد أن استأذن فيه رسول الله، وهذا دليل على أن كتم الإيمان جائز وأنه له مهمة. كذلك سيدنا العباس رضي الله عنه لا شك أنه كان قد آمن برسول الله، لأنه ساعة أخذ العهد لرسول الله وكان لم يعلن إسلامه بعد، ذهب وقال: هذا محمد في منعة من قومه، فإن شئتم أن تأخذوه فعاهدوه على كذا وعلى كذا وإلا فاتركوه، فكيف يأخذ العهد لرسول الله وهو ما يزال على دين قريش؟ إذن: لابد أنه كان يكتم إيمانه حتى لا تجرؤ قريش على إيذاء رسول الله الإيذاء البالغ إكراما لعمه العباس. فهذه مهمة كتم الإيمان، لذلك يقول تعالى:

من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم

[النحل: 106]. وفي غزوة خيبر كان في اليهود رجل اسمه الحجاج بن علاط السلمي جاء في هذه الغزوة وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، لقد شرح الله صدري للإسلام وأشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأنا ذاهب الآن إلى مكة لأموال لي هناك وأمانات أستردها؟ وسوف يسألونني فاسمح لي أن أقول قال له قل ما تشاء. وذهب الحجاج إلى قريش فقالوا: لابد أن عند هذا الخبر، وسألوه: هل ذهب القاطع إلى خيبر؟ يقصدون رسول الله لأنهم كانوا يتهمونه بقطع الأهل والعشيرة بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فقال: نعم وهزم هناك هزيمة منكرة وقتل أصحابه، وسيأخذه اليهود أسيرا ويأتون به إليكم ليصنعوا معكم يدا تظل عليكم لهم طوال العمر، وقد جئتكم لآخذ أموالي التي عند الناس حتى أذهب إلى السبي قبل أن تباع فأشتري منه، فأخذوا يساعدونه في جمع أمواله وييسرون له مهمته. بلغت هذه المقالة العباس فذهب إليه وقال له: يا حجاج ماذا تقول؟ قال: هو ما سمعت، قال: أو حق ذلك؟ قال: أفتكتم علي؟ قال: والذي نفسي بيده أكتم عليك، قال: أمهلني حتى يخلو موضعي من الناس، فجلس مدة ثم ذهب إليه فقال: والله الخبر الذي بلغك عني لم يحدث منه شيء، بل تركت محمدا منتصرا في خيبر وعروسا على صفية بنت حيي بن أخطب، ولكني احتلت لآخذ أموالي من هؤلاء، فاكتم أمري واستر علي ثلاثة أيام حتى أعجز القوم وأفر ثم أشع ذلك ما شئت. وبعد ثلاثة أيام تطيب العباس بالطيب وأمسك عصاه ثم طاف بالبيت فلقيه واحد منهم وقال: والله لهذا هو التجلد يا أبا الفضل. يقصد بذلك المصيبة التي وقعت لابن أخيه، فقال العباس للرجل: والذي حلفت به ما هو تجلد ولكنه حقيقة الأمر، لأن صاحبكم أخبركم بخلاف الواقع وابن أخي انتصر على أعدائه وهو عروس على بنت حيي بن أخطب في خيبر، قال: أو يكون ذلك؟ قال: هكذا، قال: أفلتنا الخبيث فأولى له.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٧١