تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن المؤمن حين يفعل التكليف الإيماني فإن الله يعلمه حكمة التكليف. ولنا في قوله سبحانه الدليل الواضح:

يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم

[الأنفال: 29]. إن الله سبحانه يعد عباده المؤمنين أنهم عندما يتقونه فإنه يجعل لهم دلائل تبين لهم الحق من الباطل ويستر عنهم السيئات ويغفر لهم. لماذا؟ لأن الله الذي يعلمنا هو الحق سبحانه العليم بكل شيء. وعلم الله ذاتي، أما علم الإنسان فقد يكون أثرا من ضغط الأحداث عليه فيفكر الإنسان في تقنين شيء يخرجه مما يكون فيه من شر، ولكن علم العليم الأعلى سابق على ذلك لأنه علم ذاتي. وفيما سبق علمنا أن الله سبحانه وتعالى قد أعطى الدين هذه العناية ليضمن للحياة حركتها الطاهرة، حركتها السليمة لأن المعدم لا وسيلة له في حركة الحياة إلا أمور ثلاثة، الأمر الأول: الرفد أي عطاء تطوعي يستعين به على حركة الحياة. والأمر الثاني: الفرض الذي فرضه الله في الزكاة. والأمر الثالث: القرض الذي شرعه. فعندما لا يجد المؤمن المعدم الرفد أو الفرض فماذا يكون بعد ذلك؟ إنه القرض. إذن فالقرض هو المفزع الثالث للحركة الاقتصادية عند المعدمين. وعرفنا أن القرض عند الله يفوق ويعلو الصدقة في الثواب لأن الصدقة حين تتصدق بها تكون قد خرجت من نفسك من أول الأمر فلا مشغولية لذهنك بعد ذلك، ولكن القرض نفسك تكون متعلقة به لأنك لا تزال مالكا له، وكلما صبرت عليه أخذت ثوابا من الله على كل صبرة تصبرها على المدين. وعرفنا كذلك أن الحق سبحانه قد استوثق لعملية الدين استيثاقا يجب أن نفهمه من وجهيه، الوجه الأول: أنه يحفظ بذلك ثمرة حركة المتحرك في الحياة وهي أن يتمول، أي أن يكون عنده مال فإن لم نحم له ثمرة حركته في الحياة استهان بالحركة، وإذا استهان بالحركة تعطلت مصالح كثيرة لأن حركة المتحرك في الحياة تنفع بشرا كثيرين قصد المتحرك ذلك أو لم يقصد، وضربنا المثل بمن يريد بناء عمارة، وعنده مال، فيسلط الله عليه خاطرا من خواطره مصداقا لقوله الحق:

وما يعلم جنود ربك إلا هو..

[المدثر: 31]. فيقول: ولماذا أكنز المال؟ ولماذا لا أبني عمارة أستفيد من إيجارها؟. وبذلك لا يتناقص المال بل يزيد. وليس في بال ذلك الرجل أن ينفع أحدا. إن باله مشغول بأن ينفع نفسه، لكن حركته وإن لم يقصد نفع الغير ستنفع الغير.. فالذي يحفر الأرض سيأخذ أجرا لذلك، والذي يضرب الطوب سيأخذ أجرا لذلك، وكل من يشترك في عمل لإقامة هذا البنيان من بناء أو إدخال كهرباء أو توصيل مياه أو تحسين وتجميل كل واحد من هؤلاء سيأخذ أجره، وبذلك يستفيد الجميع وإن لم يقصد المتحرك في الحياة.

إذن فالحق يريد أن يحمي حركة المتحرك في الحياة لأنه لو لم يحم الله ثمرة حركته في الحياة لاكتفى المتحرك في حركته بما يقوته ويقوت من يقول، ويبقى الضعيف في الحياة فمن ذا يعوله؟. إذن لابد أن نضمن للمتحرك ماله حتى يتشجع على الحركة إن الله الذي وهب الناس أرزاقهم، عندما يطلب من القوي المتحرك أن يعطي أخاه الضعيف المحتاج قرضا، لا يقول الله: " أقرض المحتاج " ، ولكنه جل وعلا يقول:

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا..

[البقرة: 245]. إن الله سبحانه وتعالى قد احترم حركة الإنسان المتحرك في الحياة وجعل المال مال المتحرك، فلا يقول الله للمتحرك: أعط المحتاج من المال الذي وهبتك إياه. لا، إنه مال المتحرك، ويقول الله للمتحرك: أقرضني لأن أخاك في حاجة إليه، كما نقول للتقريب لا للتشبيه - ولله المثل الأعلى - أنت تأخذ من حصالة ابنك لمصلحة أخيه، وتعد ابنك الذي أخذت من حصالته أنك سوف تعطيه الكثير. والمال الذي أخذته من حصالة ابنك قرضا أنت الذي أعطيته له أولا. إذن فالله يريد أن يحمي حركة الحياة، وإن لم نحم حركة الحياة، لا يكون كل إنسانا آمنا على ثمرة حركته، فستفسد الحياة كلها ويستشري الضغن والحقد والذي يقول الله سبحانه وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٢