ولا يسألكم أموالكم * إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم
[محمد: 36-37]. وساعة يتفشى الضغن في المجتمع فلا فائدة في هذا المجتمع أبدا. إذن فالحق حين يوثق الدين يريد أن يحمي حركة المتحرك لأن الناس تختلف فيما بينها في الحركات الطموحية. ولا توجد الحركات الطموحية في كل الناس، بل توجد في بعضهم، فلنستغل حركة الطموح عند بعض الناس لأنهم سيفيدون المجتمع: قصدوا ذلك أو لم يقصدوا. وبعد ذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يحمي أيضا الإنسان من نفسه لأنه إذا علم أن الدين الذي عليه موثق، ولا وسيلة لإنكاره حاول جاهدا أن يتحرك في الحياة ليؤديه. وحين يتحرك الإنسان ليؤدي عن نفسه الدين فإن ذلك يزيد الحركة في الحياة، ويزداد النفع. وهكذا نرى أن الله أراد بالتوثيق للدين حماية المدين من نفسه لأن المدين قد تطرأ عليه ظروف فيماطل، وإذا ما ماطل فلن تكون الخسارة فيه وحده، ولكنه سيصبح أسوة عند جميع الناس وسيقول كل من عنده مال: لا أعطي أحدا شيئا لأن فلانا الغني مثلي قد أعطى فلانا الفقير وماطله وأكله، وعند ذلك تتوقف حركة الحياة ولكن إذا كان الدين موثقا ومكتوبا فإن المدين يكون حريصا على أدائه. والله يريد أن يضمن لحركة الحياة دواما واستمرارا شريفا نظيفا. ولذلك نجد في آية الدين أن كلمة " الكتابة " ومادتها " الكاف والتاء والباء " تتكرر أكثر من مرة بل مرات كثيرة.
﴿ يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم ﴾ [البقرة: 282]. وهذا التكرار في هذه الآية لعملية الكتابة يؤصل العلاقة بين الناس فالكتابة هي عمدة التوثيق، وهي التي لا تغش، لأنك إن سجلت شيئا على ورقة فلن تأتي الورقة لتنكر ما كتبته أنت فيها، ولكن الأمر في الشهادة قد يختلف، فمن الجائز أن يخضع الشاهد لتأثير ما فينكر الحقيقة، ولذلك فإن الحق يعطينا قضية إيمانية جديدة حين يقول: " أن يكتب كما علمه الله " أي أن يكتب الكاتب على وفق ما علمه الله، فكأنه لابد أن يكون فقيها عالما بأمور الكتابة، أو " كما علمه الله " أي أن الله أحسن إليه وعلمه الكتابة دون غيره، فكما أحسن الله إليه بتعلم الكتابة فليحسن وليعد أثر الكتابة إلى الغير. وليست المسألة مسألة كتابة فقط، إنما ذلك يشمل ويضم كل شيء أو موهبة خص الله بها فردا من الناس من مواهب الله على خلقه فالمؤمن هو من يعمل على أن يعدي أثر النعمة والموهبة إلى الغير. وعليك أن تعدي أثر مواهب الغير إليك فتنفع بها سواك، وبذلك يشيع الخير ويعم النفع لأنك إن أخذت موهبة فستأخذ موهبة واحدة تكفيك في زاوية واحدة من زوايا حياتك، وعندما تعديها للجميع وتنقلها إليهم فيعدي الجميع مواهبهم المجتمعية لمصلحتك، فأيهما أكسب؟ حين تعدي وتنقل موهبتك إلى الناس، تكون أنت الأكثر كسبا لأن الجميع يعدون وينقلون مواهبهم إليك. وإذا أتقنت صنعتك للناس فالصنعة التي في يدك واحدة، وعندما تتقنها فإن الله يسلط جنود الخواطر على كل من يصنع لك شيئا أن يتقنه، كما أتقنت أنت لسواك. وبعد ذلك يعلمنا الحق سبحانه شدة الحرص على التوثيق فيقول: ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة... ﴾.