تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن فالشهادة هنا تتطلب أن نحترم ظروف الشاهد. فإن كان عند الشاهد عمل أو امتحان أو صفقة أو غير ذلك، فلنا أن نقول للشاهد: إما أن تتعين في التحمل حيث لا يوجد من يوثق به ويطمأن إليه أما في الأداء فأنت مضطر. إن الشاهد يمكنه أن يذهب إلى أمره الضروري الذي يجب أن يفعله، فلا يطغى حدث على حدث، لذلك علينا أن نبحث عن شاهد له قدرة السيطرة على عمله بدرجة ما. وإن لم نجد غيره، فماذا يكون الموقف؟ لقد قال الحق: ﴿ ولا يضآر كاتب ولا شهيد ﴾ [البقرة: 282] إذن فعلينا أن نبحث له عن " جعل " يعوض عليه ما فاته، فلا نلزمه أن يعطل عمله وإلا كانت عدالته وبالا عليه، لأن كل إنسان يطلب للشهادة تتعطل أعماله ومصالحه. والله لا يحمي الدائن والمدين ليضر الكاتب أو الشهيد. وقوله الحق لكلمة: " يضار " فمن الممكن أن تأتي الكلمة على وجهين في اللغة، فمرة تأتي " يضار " بمعنى أن الضرر يأتي من الكاتب أو الشهيد، ومرة أخرى تأتي كلمة " يضار " بمعنى أن الضرر يقع على الكاتب أو الشهيد. فاللفظ واحد، ولكن حالة اللفظ بين الإدغام الذي هو عليه حسب قواعد اللغة وبين فكه هي التي تبين لنا اتجاه المعنى. فإن قلنا: ﴿ ولا يضآر كاتب ولا شهيد ﴾ [البقرة: 282] - بكسر الراء -، فالمعنى في هذه الحالة هو أن يقع الضرر من الكاتب فيكتب غير الحق، أو أن يقع الضرر من الشهيد فيشهد بغير العدل. وإن قلنا: ﴿ ولا يضآر كاتب ولا شهيد ﴾ [البقرة: 282] - بفتح الراء - فالمنهي عنه هو أن يقع الضرر على الكاتب أو الشهيد من الذين تؤدي الكتابة غرضا لهم، وتؤدي الشهادة واجبا بالنسبة لهم ليضمن الدائن دينه، وليستوثق أن أداءه محتم. والكاتب والشهيد شخصان لهما في الحياة حركة، ولكل منهما عمل يقوم به ليؤدي مطلوبات الحياة، فإذا علم - بضم العين وكسر اللام وفتح الميم - أنه كاتب أو شهد بأنه عادل، عند ذلك يتم استدعاؤه في كل وقت من أصحاب المصلحة في المداينة، وربما تعطلت مصالح الكاتب أو الشهيد. ويريد الله أن يضمن لذلك الكاتب أو الشهيد ما يبقى على مصلحته. ولذلك أخذت القوانين الوضعية من القرآن الكريم هذا المبدأ، فهي إن استدعت شاهدا من مكان ليشهد في قضية فإنها تقوم له بالنفقة ذهابا وبالنفقة إيابا، وإن اقتضى الأمر أن يبيت فله حق المبيت وذلك حتى لا يضار، وهو يؤدي الشهادة، وحتى لا يتعطل الشاهد عن عمله أو أن يصرف من جيبه.

ويريد الحق سبحانه وتعالى أيضا أن يضمن مصالح الجميع لا مصلحة جماعة على حساب جماعة. ويقول الحق في هذه " المضارة ": ﴿ وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم.. ﴾ [البقرة: 282] أي وإن تفعلوا الضرر من هذا أو من ذاك فإنه فسوق بكم، إنه سبحانه يحذر أن يقع الضرر من الكاتب أو الشهيد، أو أن يقع الضرر على الكاتب أو الشهيد. ففعل الضرر فسوق، أي خروج عن الطاعة. والأصل في " الفسق " هو خروج الرطبة من قشرتها، فالبلح حين يرطب تكون القشرة قد خلعت عن الأصل من البلحة، فتخرج الثمرة من القشرة فيقال: " فسقت الرطبة ". ومنها أخذ معنى الفسوق وهو الخروج عن طاعة الله في كل ما أمر. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ واتقوا الله ﴾ [البقرة: 282] وعلمنا من قبل معنى كلمة " التقوى " حين يقول الله: ﴿ واتقوا الله ﴾ [البقرة: 282] أو يقول سبحانه:

واتقوا النار

[آل عمران: 131]

واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله

[البقرة: 281]، وكل هذه المعاني مبنية على الوقاية من صفات جلال الله، وجبروته، وقهره، وإذا قلنا: " اتقوا النار " فالنار من جنود صفات القهر لله، ف " اتقوا الله " هي بعينها " اتقوا النار " هي بعينها " اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ". ويقول الحق سبحانه: ﴿ واتقوا الله ويعلمكم الله ﴾ [البقرة: 282]. وهنا مبدأ إيماني يجب أن نأخذه في كل تكليف من الله فإن التكاليف إن جاءت من بشر لبشر، فأنت لا تنفذ التكليف من البشر إلا إن أقنعك بحكمته وعلته لأن التكليف يأتي من مساو لك، ولا توجد عقلية أكبر من عقلية، وقد تقول لمن يكلفك: ولماذا أكون تبعا لك وأنت لا تكون تبعا لي؟ إنك إذا أردت أن تكلفني بأمر من الأمور وأنت مساو لي في الإنسانية والبشرية وعدم العصمة فلا بد أن تقنعني بحكمة التكليف. أما إن كان التكليف من أعلى وهو الحق سبحانه وهو الله الذي آمنا بقدرته وعلمه وحكمته وتنزهه عن الغرض العائد عليه فالمؤمن في هذه الحالة يأخذ الأمر قبل أن يبحث في الحكمة لأن الحكمة في هذا الأمر أنه صادر من الله، وحين ينفذ المؤمن التكليف الصادر من الله فسيعلم سر هذه الحكمة فيما بعد فأسرار الحكم عند الله تأتي للمؤمن بعد أن يقبل على تنفيذ التكاليف الإيمانية. إن الحق سبحانه - على سبيل المثال - لا يقنع العبد بأسرار الصوم، ولكن إن صام العبد المؤمن كما قال الله، وعند ممارسة المؤمن لعبادة الصوم سيجد أثر حكمة الصوم في نفسه بما لا يمكن إقناعه به أولا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠١