هب أنكم في زورق وبعد ذلك جاءت عاصفة، وأغرقت الذي يمسك بدفة الزورق، أو هو غير قادر على إدارة الدفة، هنا يجب أن يتقدم من يعرف ليدير الدفة، إنه يندب نفسه للعمل، فلا مجال للتجربة. والحق سبحانه وتعالى حين عرض قضية الجدب في قصة سيدنا يوسف قال:
تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون * ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون
[يوسف: 47-48]. وقال سيدنا يوسف:
قال اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم
[يوسف: 55]. إن المسألة جدب فلا تحتمل التجربة، وهو كفء لهذه المهمة، يملك موهبة الحفظ والعلم، فيندب نفسه للعمل. كذلك هنا ﴿ ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ﴾ [البقرة: 282] إذا طلب منه وإن لم يطلب منه وتعين " فليكتب ". وهذه علة الأمرين الاثنين، وما دامت الكتابة للتوثيق في الدين فمن الضعيف؟ إنه المدين، والكتابة حجة عليه للدائن، لذلك يحدد الله الذي يملل: الذي عليه الدين، أي يملي الصيغة التي تكون حجة عليه ﴿ وليملل الذي عليه الحق ﴾ [البقرة: 282] ولماذا لا يملي الدائن؟ لأن المدين عادة في مركز الضعف، فلعل الدائن عندما تأتي لحظة كتابة ميعاد السداد فقد يقلل هذا الميعاد، وقد يخجل المدين أن يتكلم ويصمت لأنه في مركز الضعف. ويختار الله الذي في مركز الضعف ليملي صيغة الدين، يملي على راحته، ويضمن ألا يؤخذ بسيف الحاجة في أن موضع من المواضع. لكن ماذا نفعل عندما يكون الذي عليه الدين سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو؟ إن الحق يضع القواعد ﴿ فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل ﴾ [البقرة: 282] والسفيه هو البالغ مبلغ الرجال إلا أنه لا يمتلك أهلية التصرف. والضيف هو الذي لا يملك القدرة التي تبلغه أن يكون ناضجا النضج العقلي للتعامل، كأن يكون طفلا صغيرا، أو شيخا بلغ من الكبر حتى صار لا يعلم من بعد علمه شيئا، أو لا يستطيع أن يمل. أي أخرس فيقوم بالإملاء الولي أو القيم أو الوصي. ويأتي التوثيق الزائد: بقوله - تعالى -: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ [البقرة: 282]. ولننظر إلى الدقة في التوثيق عندما يقول الحق: " واستشهدوا " نستشهد ونكتب، لأنه سبحانه يريد بهذا التوثيق أن يؤمن الحياة الاقتصادية عند غير الواجد لأن الحاجة عندما تكون مؤمنة عند غير الواجد فالدولاب يمشي وتسير حركة الحياة الاقتصادية لأن الواجد هو القليل، وغير الواجد هو الكثير، فكل فكر جاد ومفيد يحتاج إلى مائة إنسان ينفذون التخطيط.
إن الجيب الواجد الذي يصرف يحتاج إلى مائة لينفذوا، ولهذا تكون الجمهرة من الذين لا يجدون، وذلك حتى يسير نظام الحياة لأن الله لا يريد أن يكون نظام الحياة تفضلا من الخلق على الخلق، إنما يريد الله نظام الحياة نظاما ضروريا فالعامل الذي لا يعول أسرة قد لا يخرج إلى العمل، لذلك فالحق يربط خروج العامل بحاجته. إنه يحتاج إلى الطعام ورعاية نفسه وأسرته فيخرج اضطرارا إلى العمل، وبتكرار الأمر يعشق عمله، وحين يعشق العمل فهو يحب العمل في ذاته. وبذلك ينتقل من الحاجة إلى العمل، إلى حب العمل في ذاته، وإذا ما أحب العمل في ذاته، فعجلة الحياة تسير. والحق سبحانه حين يحدد الشهود بهذا القول: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ [البقرة: 282]. ولماذا قال الحق: " شهيدين " ولم يقل " شاهدان "؟ لأن مطلق شاهد قد يكون زورا، لذلك جاء الحق بصيغة المبالغة. كأنه شاهد عرفه الناس بعدالة الشهادة حتى صار شهيدا. إنه إنسان تكررت منه الشهادة العادلة واستأمنه الناس على ذلك، وهذا دليل على أنه شهيد. وإن لم يكن هناك شهيدان من الرجال فالحق يحدد لنا ﴿ فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء ﴾ [البقرة: 282]. إن الحق سبحانه وتعالى قد طلب منا على قدر طاقتنا أي من نرضى نحن عنهم، وعلل الحق مجيء المرأتين في مقابل رجل بما يلي: ﴿ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ [البقرة: 282] لأن الشهادة هي احتكاك بمجتمع لتشهد فيه وتعرف ما يحدث. والمرأة بعيدة عن كل ذلك غالبا. أن الأصل في المرأة ألا علاقة لها بمثل هذه الأعمال، وليس لها شأن بهذه العمليات، فإذا ما اضطرت الأمور إلى شهادة المرأة فلتكن الشهادة لرجل وامرأتين لأن الأصل في فكر المرأة أنه غير مشغول بالمجتمع الاقتصادي الذي يحيط بها، فقد تضل أو تنسى إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، وتتدارس كلتاهما هذا الموقف، لأنه ليس من واجب المرأة الاحتكاك بجمهرة الناس وبخاصة ما يتصل بالأعمال. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ﴾ [البقرة: 282] فكما قال الحق عن الكاتب ألا يمتنع عن توثيق الدين، كذلك الشهادة على هذا الدين. وكيف تكون الشهادة، هل هي في الأداء أو التحمل؟ إن هنا مرحلتين: مرحلة تحمل، ومرحلة أداء. وعندما نطلب من واحد قائلين: تعال اشهد على هذا الدين. فليس له أن يمتنع، وهذا هو التحمل. وبعدما وثقنا الدين، وسنطلب هذا الشاهد أمام القاضي، والوقوف أمام القاضي هو الأداء. وهكذا لا يأبى الشهداء إذا ما دعوا تحملا أو أداء. لكن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن كل نفس بشرية لها مجال حركتها في الوجود، ويجب ألا تطغى حركة حدث على حدث، فالشاهد حين يستدعى - بضم الياء - ليتحمل أولا أو ليؤدي ثانيا ينبغي ألا تتعطل مصالحه إن مصالحه ستتعطل لأنه عادل، ولأنه شهيد، لذلك يضع الله لذلك الأمر حدا فيقول: ﴿ ولا يضآر كاتب ولا شهيد ﴾ [البقرة: 282].