ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة..
[الأنفال: 42]. إذن فالحياة مقابلة للهلاك. و " الحي " غير هالك. والهالك لا يكون حيا، ويقول تعالى في الآخرة:
كل شيء هالك إلا وجهه..
[القصص: 88]. ومعنى ذلك أن كل الأجناس من أعلاها إلى أدناها، سواء الإنسان، أو الملائكة، أو الحيوان أو النبات، كلها ستكون هالكة، وما دام كل شيء سيهلك يوم القيامة فكأنه لم يكن هالكا قبل ذلك، وله حياة مناسبة له. أليست الحجارة شيئا، وستدخل في الهلاك يوم القيامة؟. إذن فهي قبل ذلك غير هالكة. لكننا نحن البشر لا نفطن إلى ذلك ونفهم الحياة فقط على أنها الحس والحركة الظاهرة. مع أن العلماء قد أثبتوا أنه حتى الذرة فيها دوران، ولها حياة. وأنت عندما تنظر بالمجهر على ورقة من النبات، وترى ما بها من خضر وخلايا، وتشاهد العمليات التي تحدث بها، وتقول: هذه حياة أرقى من حياتنا، وأدق منها.
إذن فكل شيء له حياة، وإياك أن تظن أنك أنت الذي تهلكها، فعندما تأتي بحجر وتدقه أو تضعه في الفرن لتصنع الجير إياك أن تقول: إنك أذهبت من الأحجار الحياة المناسبة لها، أنت فقط قد حولت مهمتها من حجر صلب، وصارت لها مهمة أخرى، فالمسائل تتسلسل إلى أن يصير لكل شيء في الوجود حياة تناسب المهمة التي يصلح لها. وانظر إلى مهمة الحق، ما شكلها؟ إنها الحياة العليا، وهو الحي الأعلى وحي لا تسلب منه الحياة، لأن أحدا لم يعطه الحياة، بل حياته سبحانه ذاتية، فهذا هو الحي على إطلاقه. إذن فالحي على إطلاقه هو الله والحق سبحانه وتعالى قال: ﴿ الله لا إله إلا هو الحي ﴾ [البقرة: 255] وأثر صفة هذه موجود في كل الصفات الأخرى فقال: " القيوم ". والقيوم هو صفة مبالغة في قائم. ومثلها قولنا: " الله غفور " لكن ألا يوجد غافر؟ يوجد غافر، لكن " غفور " هي صفة مبالغة. وقد يقول قائل: هل صفات الله فيها صفة قوية وأخرى ضعيفة؟. نقول: لا، فصفات الله لا يصح أن توصف بالضعف أو بالقوة، صفات الله نظام واحد. وحتى نفهم ذلك لنضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نحن نقول: كلنا نأكل كي نستبقي حياتنا، فكل واحد منا " آكل " ، لكن عندما نقول: فلان أكول، فمعنى ذلك أنه أخذ صفة الأكل التي كلنا شركة فيها وزاد فيها فنقول عليه: " أكال " أو " أكول ". من أي ناحية تأتي هذه الزيادة؟ قد تأتي الزيادة من أنك تأكل في العادة رغيفا وهو يأكل رغيفين أو ثلاثة، إذن فالحدث له في الأكل أثر كبير، فنقول عليه: أكول. وقد يأكل معك رغيفا في الوجبة الواحدة، لكنه يأكل خمس وجبات بدلا من ثلاث وجبات فيكون أيضا أكولا، إذن ف " أكول " إما مبالغة في الحدث نفسه وإما بتكرار الحدث. ونحن ننظر إلى صفات الله ونقول: إنها لا تحتمل القوة والضعف في ذات الحدث، إنما في تكرارها بالنسبة للمخلوقين جميعا، فالله غافر لهذا، وغافر لذاك، وغافر لكل عاص يتوب، إذن فالحدث يتكرر، فيكون " غفورا " و " غفارا ". وهذا ما يحل لنا الإشكال في كثير من الأمور، فعندما يقول سبحانه:
وما ربك بظلام للعبيد
[فصلت: 46]. فنحن هنا نجد قضية لغوية تقول: إنك إذا جئت بصيغة المبالغة، وأثبتها، تكون الصيغة الأخرى الأقل منها ثابتة بالضرورة، مثال ذلك عندما نقول: فلان " علام " أو " عالم " ، فما دمت أثبت له الصفة القوية تكون الصفة الضعيفة موجودة، لكن إذا نفيت الصفة المبالغ فيها قد تكون الصفة الأخرى موجودة، فهو ليس " علامة " لكنه قد يكون " علاما " أو عالما " ، فإذا قلت: فلان " علامة " فقد أثبت له الأدنى أيضا، فيكون " علاما " أو " عالما ".
لكن إذا نفيت عنه " علامة " انتفى عنه الباقي؟ لا، إذن فنفي الأكثر لا ينفي الأقل. لكن إذا أثبت الأكثر ثبت الأقل، وإذا نفيت الأكثر فلن ينتفي الأقل، فإذا قلت: الله ليس بظلام للعبيد، نفيت الأكثر. صحيح أنه غير مبالغ في الظلم، فهل يمكن أن يكون ظالما؟ على حسب ما قلنا: إذا نفينا الأكثر لا ينتفي الأقل نقول: لا، لأننا هنا يجب أن نأخذ القضية الأولى في أن المبالغة في الحدث والمبالغة في الفعل تأتي مرة في ذات الحدث، ومرة في تكرار الحدث فيكون - معاذ الله - ظلاما، ولذلك لم يقل: بظلام للعبد، بل قال: بظلام للعبيد. إذن فهذا العبد يحتاج ظالما، والعبد الآخر يحتاج ظالما، وذاك يحتاج ظالما! فعندما يظلم كل هؤلاء يكون ظلاما، ولذلك نفاها سبحانه وقال: