تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصفات الفعل يتصف بها وبمقابلها لأنها في الغير. لكن صفة الذات لا يتصف إلا بها. وحينما قال الحق: " الله " فهو سبحانه يريد أن يعطينا بعض تجليات الله في أسمائه، فقال: " الله لا إله إلا هو " ليحقق لنا صفة التوحيد، ويجب أن نعلم أن " إلا " هنا ليست أداة استثناء، لأنها لو كانت أداة استثناء فكأنك تنفي أن توجد آلهة ويكون الله من ضمن هذه الآلهة التي نفيتها وذلك غير صحيح وإنما المراد أنه لا آلهة أبدا غير الله فهو واحد لا شريك له، وأنه لا معبود بحق إلا هو فكلمة " إلا " ليست للاستثناء وإنما هي بمعنى غير، أي لا إله غير الله. وقد عرفنا أن هذه القضية معها دليلها، وإلا فلو كان هناك إله آخر لقال لنا: إنه موجود. لكن لا إله إلا هو سبحانه أبلغنا " الله لا إله إلا هو ". وأعجبني ما قاله الدكتور عبد الوهاب عزام - رحمة الله عليه - وكان متأثرا بالشاعر الباكستاني " إقبال " ، كان للشاعر إقبال شيء اسمه " المثاني " ، أي أن يقول بيتين من الشعر في معنى، وبيتين من الشعر في معنى، وكان يغلب على شعر إقبال الفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي، وقد تأثر الدكتور عبد الوهاب عزام بشعر إقبال فجعل له مثاني أيضا يناظر فيها " إقبال " ، فيقول:

إنما التوحيد إيجاب وسلب

وفيهما للنفس عزم ومضاء

وقوله: " إنما التوحيد إيجاب وسلب " هو قول متأثر بالقضية الكهربية. فيقول: إنما التوحيد إيجاب وسلب فيهما للنفس عزم ومضاء. فأنت عندما تقول " لا إله " ، ف " لا " للنفي، وعندما تكمل قولك: " إلا الله " ف " إلا " للإثبات، ويكمل الدكتور عزام قوله: لا وإلا قوة قاهرة. فهما في القلب قطبا الكهرباء كأن الكهرباء تأتي بأنك تسلب وتوجب. فالإيجاب في " إلا " والسلب في " لا ". وما دام فيه إيجاب وسلب، إذن ففيه شرارة كهرباء. ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ [البقرة: 255]، و " الحي " هو أول صفة يجب أن تكون لذلك الإله، لأن القدرة بعد الحياة، والعلم بعد الحياة. فكل صفة لابد أن تأتي بعدها في الذكر وإلا فليست صفة من صفات الله أسبق من صفة ولا متقدمة عليها فكلها قديمة لا أول لها، فلو كان عدما فكيف تأتي الصفات على العدم؟.

وكلمة " حي " عندما نسمعها نقول: ما هو الحي؟. إن الفلاسفة قد احتاروا في تفسيرها. فمنهم من قال: الحي هو الذي يكون على صفة تجعله مدركا إن وجد ما يدرك. كأن الفيلسوف الذي قال ذلك: يعني بالحياة حياتنا نحن، وما دوننا كأنه ليس في إدراك. ونقول لصاحب هذا الرأي: لا، إن أردت الحياة بالمعنى الواسع الدقيق فلابد أن تقول: الحياة هي أن يكون الشيء على الصفة التي تبقى صلاحيته لمهمته، هذا هو ما يجب أن يكون عليه التعريف، ف " الحي ": هو الذي يكون على صفة تبقي له صلاحيته لمهمته، مثال ذلك النبات، ما دمت تجده ينمو، إذن ففيه حياة تبقى له صلاحية مهمته. فلو قطع لانتهت الصلاحية. ومثل الإنسان عندما يموت تنتهي صلاحيته لمهمته، والعناصر الجامدة عندما تأتي مع بعضها تتفاعل، هذا التفاعل فرع وجود الحياة، لكنها حياة مناسبة لها وليست مثل حياتنا. أنت مثلا ترى " الزلط " الناعم الأملس، تجده على مقدار واحد؟ لا، إن أشكاله مختلفة، وهذا دليل على أن هناك مراحل للحجر الواحد منها، ولو استمرت تلك الأحجار في بيئتها الطبيعية فلا شك أن هذه الكبيرة تتفتت يوما وتصير صغيرة ثم تكبر مرة أخرى، لكن الإنسان حين يستخدم هذه الحجارة ليضعها على سبيل المثال بين القضبان التي تسير عليها القطارات فهذه الأحجار تكون قد خرجت من بيئتها. ومن حكمة الله أنه لا يوجد شيء تنتهي جدواه أبدا، بل هو سبحانه يهيئ لكل شيء مهمة أخرى. إذن فكل كائن يكون على صفة تبقي له صلاحيته لمهمة، وتكون له حياة مناسبة لتلك المهمة. نحن لا نأتي بهذا الكلام من عندنا، ولكننا نأتي بهذا الكلام لأننا نقرأ القرآن بإمعان وتدبر، ونقول: ماذا يقابل الحياة في القرآن؟ إنه الهلاك بدليل أن الله قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٥