تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما ربك بظلام للعبيد

[فصلت: 46]. والحق هنا يقول: " قيوم " وهذه صفة مبالغة من قائم، فالأصل فيها: القائم على أمر بيته، والقائم على أمر رعيته، والقائم على أمر المدرسة، والقائم على أمر هذه الإدارة، ومعنى قائم على أمرها: أنه متولي شئونها، فكأن القيام هو مظهر الإشراف. فنحن لا نقول: " قاعد على إدارتها ". وعندما نقول " قيوم " فمعناها أنه أوسع في القيام. كيف جاء هذا الاتساع؟. لأن القائم قد يكون قائما بغيره، لكن حين يكون قائما بذاته، وغيره يستمد قيامه منه، فهو قائم على كل نفس وهو سبحانه القائل:

أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركآء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد

[الرعد: 33]. إن المشركين قد بلغو السفه في جحودهم فجعلوا لله شركاء في العبادة، فهل يستطيع أحد أن يبلغ تلك المرتبة العالية، مرتبة خلق العالم والقيام على كل أمر فيه، صغر أو كبر؟. إنه الحافظ المراقب لكل نفس، العالم بكل ما خفي وظهر، وهذه الأوثان لا تضر ولا تنفع، فكيف تتوهمون يا من أشركتم بالله له ندا، إن الحق منزه عن ذلك بقيامه على كل نفس وكل الخلق. لكن أهل الضلال أغواهم ضلالهم فلم يعد لهم هاد بعد الله. إن الحق سبحانه قائم بذاته، وقائم على غيره. والغير إن كان قائما إنما يستمد منه القيام. فلابد أن يكون " قيوما " ، ومن قيومته أنه ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ [البقرة: 255]، وقيل في كتب العلم: إن قوم بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام: أينام ربنا؟.

فأوحى الله إليه: أن آت بزجاجتين وضعهما في يد إنسان، ودعه إلى أن ينام، ثم انظر الجواب. فلما وضع في يده الزجاجتين ونام. انكسرت الزجاجتان فقال: هو كذلك، هو قائم على أمر السماء والأرض، ولو كانت تأخذه سنة أو نوم لتحطمت الدنيا. وهو سبحانه ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ [البقرة: 255]. و " السنة " هي أول ما يأتي من النعاس أي النوم الخفيف، فالواحد منا يكون جالسا ثم يغفو، لكن النوم هو " السبات العميق " ، فلما قال: " لا تأخذه سنة " قالوا: إنه يتغلب على النوم الخفيف لكن هل يقدر على مقاومة النوم العميق؟. فقال الحق عن نفسه: " لا تأخذه سنة ولا نوم ". وعرفنا أن السنة هي: النعاس الذي يأتي في أول النوم، ومظهرها يبدو أولا في العين وفي الجفن، فعندما يذهب إنسان في النوم فإن أثر ذلك يظهر في عينيه، ولذلك يقولون: إن العين هي الجارحة التي يمكن أن تعرف بها أحوال الإنسان، وقد اكتشفوا في عصرنا الحديث أن الشرايين لا يمكن أن يعرفوا حالتها بالضبط إلا من العين. فالفتور الذي يأتي في العين أولا هو السنة أو مقدمات النوم ونسميه: النعاس. ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ [البقرة: 255] أتريدون تطمينا من إله لمألوه، ومن معبود لعابد، ومن خالق لمخلوق أكثر من أنه يقول للعابد المخلوق: " نم أنت ملء جفونك، واسترح لأن ربك لا ينام ". ماذا تريد أكثر من هذا؟ هو سبحانه يعلم أنه خلقك، وأنك تحتاج إلى النوم، وأثناء نومك فهناك أجهزة في جسمك تعمل. أإذا نمت وقف قلبك؟ أإذا نمت انقطع نفسك؟ أإذا نمت وقفت معدتك من حركتها الدودية التي تهضم؟ أإذا نمت توقفت أمعاؤك عن امتصاص المادة الغذائية؟ لا، بل كل شيء في دولابك يقوم بعمله. فمن الذي يشرف على هذه العمليات لو كان ربك نائما؟ إذن فأنت تنام وهو لا ينام. وبالله هل هذه عبودية تذلنا أو تعزنا؟ إنها عبودية تعزنا فالذي نعبده يقول: ناموا أنتم لأنني لا تأخذني سنة ولا نوم. وإياك أن تفهم أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وأن شيئا في كونه يخرج على مراده، لا لأن كل ما في السماوات والأرض له، فلا شيء ولا أحد يخرج عن قدرته. ولذلك يقول الحق: ﴿ له ما في السماوات وما في الأرض ﴾ [البقرة: 255]. ويتابع سبحانه بقوله: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ [البقرة: 255] إنه سبحانه وتعالى يوضح: أنا أعطيتك الراحة في الدنيا، وحتى الكافر جعلته يتنعم بنعمي، ولم أجعل الأسباب تضن عليه، وأعطيته ما دام قد اجتهد في تلك الأسباب مما يدل على أنني ليس عندي محاباة، قلت للأسباب: يا أسباب من يحسنك يأخذك ولو كان كافرا بي.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٧