17.108
أي: يقولون حال سجودهم: سبحان ربنا الذي وفى بوعده في التوراة والإنجيل، وبعث الرسول الخاتم ومعه القرآن، سبحانه حقق لنا وعده وأدركناه وآمنا به، وكأن هذه نعمة يحمدون الله عليها. ويقول الحق سبحانه عنهم: ﴿ ويخرون للأذقان يبكون... ﴾.
17.109
لقد خروا ساجدين لله تعالى قبل ذلك لأنهم أدركوا القرآن الذي نزل على محمد، وتحقق لهم وعد الله فعاصروه وآمنوا به. أما هذه المرة فيخرون ساجدين لما سمعوا القرآن تفصيلا وانفعلوا به، فيكون له انفعال آخر، لذلك يزيد هنا الخشوع والخضوع، فيقول: ﴿ ويخرون للأذقان يبكون... ﴾ [الإسراء: 109] فكلما قرأوا آية ازدادوا بها خشوعا وخضوعا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى... ﴾.
17.110
﴿ ادعوا ﴾ اذكروا، أو نادوا، أو اطلبوا ﴿ الله ﴾ علم على واجب الوجود سبحانه، ومعنى: علم على واجب الوجود أنها إذا أطلقت انصرفت للذات الواجبة الوجود وهو الحق سبحانه، كما نسمي شخصا، فإذا أطلق الاسم ينصرف إلى المسمى. والأسماء عندنا أنواع كثيرة: إما اسم، أو كنية، أو لقب. الاسم: وهو أغلب الأعلام، ويطلق على المولود بعد ولادته ويعرف المولود به. والكنية: وتطلق على الإنسان، وتسبق بأب أو أم أو ابن أو بنت، كما نقول: أبو بكر، وأم المؤمنين. واللقب: وصف يشعر بالمدح أو الذم، كما نقول: الصديق، الشاعر، الفاروق. فإذا كان الاسم معه شريك غيره لا بد لتمييزه من وصفه وصفا يعرف به، كما يحدث أن يألف شخص أن يسمي أولاده جميعا: محمد فالتسمية في هذه الحالة لا تشخص ولا تعين المسمي لذلك لا بد أن نصف كل واحد منهم بصفة فنقول: محمد الكبير، محمد الصغير. محمد المهندس. فإذا أطلق الاسم بصفته ينصرف إلى شخص معين. وإذا كنا نحن نسمي أولادنا: فإن الحق سبحانه سمى نفسه بأسمائه التي قال عنها: الأسماء الحسنى، وكلمة حسنى أفعل تفضيل للمؤنث، مثل: كبرى. والمذكر منها أحسن. لكن لماذا وصف أسماءه تعالى بالحسنى؟ الاسم يبين المسمى، لكن الأسماء عند البشر قد لا تنطبق على المسمى الذي أطلقت عليه، فقد نسمي شخصا " سعيد " وهو شقي، أو نسمي شخصا " ذكي " وهو غبي. وهذا ليس بحسن في الأسماء، الحسن في الاسم أن يطابق الاسم المسمى، ويتوفر في الشخص الصفة التي أطلقت عليه، فيكون الشخص الذي سميناه " سعيد " سعيدا فعلا. وهكذا يكون الاسم حسنا، لكنه لا يأخذ الحسن الأعلى لأن الحسن الأعلى لأسماء الله التي سمى بها نفسه، فله الكمال المطلق. فهذه - إذن - لا تتأتى في تسمية البشر، فكثيرا ما تجد " عادل " وهو ظالم، و " شريف " وليس بشريف لذلك قلنا:
وأقبح الظلم بعد الشرك منزلة
أن يظلم اسم مسمى ضده جعلا
فشارع كعماد الدين تسمية
لكنه لعناد الدين قد جعلا
فالاسم قد يظلم المسمى كما حدث أن سموا الشارع عماد الدين، وهذا الشارع كان في الماضي بؤرة للفسق والفجور، وما أبعده سابقا عن هذه التسمية. فلفظ الجلالة الله علم على واجب الوجود، وبعد ذلك جاءت صفات غلبت عليه، بحيث إذا أطلقت لا تنصرف إلا إليه. فإذا قلنا: العزيز على إطلاقه فإنها لا تنصرف إلا لله تعالى، لكن يمكن أن نقول فلان العزيز في قومه، فلان الرحيم بمن معه، فلان النافع لمن يتصل به، إنما لو قلت: النافع على إطلاقه فهو الله سبحانه وتعالى. لذلك حلت الصفات محل اسم الذات ﴿ الله ﴾ لأنها إذا أطلقت لا تنصرف إلا لله تعالى، فأسماء الله الحسنى هي في الأصل صفات له سبحانه.
ولو تأملنا هذه الأسماء لوجدناها على قسمين: أسماء ذات، وأسماء صفات فعلية، اسم الذات لا يتصف الله بمقابله، فالعزيز مثلا اسم ذات فلا نقول في مقابله الذليل، والحي اسم ذات فلا نقول: الميت. أما اسم الصفة الفعلية فيكون له مقابل، فالمعز صفة فعل يعني يعز غيره، ومقابلها المذل، والضار مقابلها النافع، والمحيي مقابلها المميت وهكذا.. إن وجدت للاسم مقابلا فاعلم أنه اسم لصفة الفعل من الله تعالى، وإذا لم يكن له مقابل فهو اسم ذات. لكن تقف مثلا عند الستار وهي صفة فعل لأنه يستر غيره، لكن ليس لها مقابل فلا نقول الفضاح، لماذا؟ لأنه تبارك وتعالى يريد أن يتخلق خلقه بهذه الصفة، وأن يربب صفة الستر عند الناس للناس، فلو علم الناس، عن أحد أمرا فاضحا لزهدوا في كل ما يأتي من عنده ولو كان حسنة، وبذلك يحرم المجتمع من طاقات كثيرة من الخير. لكن حين تستر على صاحب العيب عيبه، فإنك تعطي للمجتمع فرصة لينتفع بما لديه من صفات الخير لذلك الله تعالى يعصى ويحب أن يستر على عبده العاصي لكي يستمر دولاب الحياة لأنه لا يوجد أحد له كمال إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وصدق القائل: