17.20
﴿ كلا ﴾ أي: كلا الفريقين السابقين: من أراد العاجلة، ومن أراد الآخرة: ﴿ نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك.. ﴾ [الإسراء: 20]. أي: أن الله تعالى يمد الجميع بمقومات الحياة، فمنهم من يستخدم هذه المقومات في الطاعة، ومنهم من يستخدمها في المعصية، كما لو أعطيت لرجلين مالا، فالأول تصدق بماله، والآخر شرب بماله خمرا. إذن: فعطاء الربوبية مدد ينال المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، أما عطاء الألوهية المتمثل في منهج الله: افعل ولا تفعل، فهو عطاء خاص للمؤمنين دون غيرهم. وقوله تعالى: ﴿ وما كان عطآء ربك محظورا.. ﴾ [الإسراء: 20]. أي: ممنوعا عن أحد لأن الجميع خلقه تعالى، المؤمن والكافر، وهو الذي استدعاهم إلى الحياة، وهو سبحانه المتكفل لهم بمقومات حياتهم، كما تستدعي ضيفا إلى بيتك فعليك أن تقوم له بواجب الضيافة. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه اختار التعبير بقوله: ﴿ من عطآء ربك.. ﴾ [الإسراء: 20]. لأن العطاء المراد هنا عطاء ربوبية، وهو سبحانه رب كل شيء. أي: مربيه ومتكفل به، وشرف كبير أن ينسب العطاء إلى الرب تبارك وتعالى. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض... ﴾.
17.21
الحق تبارك وتعالى أعطانا قضايا إيمانية نظرية، ويريد منا أن ننظر في الطبيعة والكون، وسوف نجد فيه صدق ما قال. يقول تعالى: ﴿ انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض.. ﴾ [الإسراء: 21]. والمتأمل يجد أن الله تعالى جعل التفضيل هنا عاما، فلم يبين من المفضل ومن المفضل عليه، فلم يقل: فضلت الأغنياء على الفقراء، أو: فضلت الأصحاء على المرضى. إذن: فما دام في القضية عموم في التفضيل، فكل بعض مفضل في جهة، ومفضل عليه في جهة أخرى، لكن الناس ينظرون إلى جهة واحدة في التفضيل، فيفضلون هذا لأنه غني، وهذا لأنه صاحب منصب.. الخ. وهذه نظرة خاطئة فيجب أن ننظر للإنسان من كل زوايا الحياة وجوانبها لأن الحق سبحانه لا يريدنا نماذج مكررة، ونسخا معادة، بل يريدنا أناسا متكاملين في حركة الحياة، ولو أن الواحد منا أصبح مجمعا للمواهب ما احتاج فينا أحد لأحد، ولتقطعت بيننا العلاقات. فمن رحمة الله أن جعلك مفضلا في خصلة، وجعل غيرك مفضلا في خصال كثيرة، فأنت محتاج لغيرك فيما فضل فيه، وهم محتاجون إليك فيما فضلت فيه، ومن هنا يحدث التكامل في المجتمع، وتسلم للناس حركة الحياة. ونستطيع أن نخرج من هذه النظرة بقضية فلسفية تقول: إن مجموع مواهب كل إنسان تساوي مجموع مواهب كل إنسان، فإن زدت عني في المال فربما أزيد عنك في الصحة، وهكذا تكون المحصلة النهائية متساوية عند جميع الناس في مواهب الدنيا، ويكون التفاضل الحقيقي بينهم بالتقوى والعمل الصالح، كما قال تعالى:
إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير
[الحجرات: 13]. لذلك يجب على المسلم أن يلتزم أدب الإسلام في حفظ مكانة الآخرين، فمهما كنت مفضلا فلا تحتقر غيرك، واعلم أن لهم أيضا ما يفضلون به، وسوف يأتي اليوم الذي تحتاج إليهم فيه. وقد ضربنا لذلك مثلا بالعظيم الوجيه الذي قد تضطره الظروف وتحوجه لسباك أو عامل بسيط ليؤدي له عملا لا يستطيع هو القيام به، فالعامل البسيط في هذا الموقف مفضل على هذا العظيم الوجيه. ولك أن تتصور الحال مثلا إذا أضرب الكناسون عدة أيام عن العمل. إذن: مهما كان الإنسان بسيطا، ومهما كان مغمورا فإن له مهمة يفضل بها عن غيره من الناس. خذ الخياط مثلا، وهو صاحب حرفة متواضعة بين الناس، ولا يكاد يجيد عملا إلا أن يخيط للناس ثيابهم، فإذا ما كانت ليلة العيد وجدته من أهم الشخصيات، الجميع يقبلون عليه، ويتمنون أن يتكرم عليهم ويقضي حاجتهم من خياطة ثيابهم وثياب أولادهم. وبهذا نستطيع أن نفهم قول الحق تبارك وتعالى: