تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

[العنكبوت: 40]. فكل هذه آيات بعثها الله على أمم من المكذبين، كل بما يناسبه. ثم يقول الحق سبحانه مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس... ﴾.

17.60

أي: اذكر يا محمد، وليذكر معك أصحابك إذ قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس، فلا يمكن أن يتصرفوا تصرفا، أو يقولوا قولا يغيب عن علمه تعالى، لأن الإحاطة تعني الإلمام بالشيء من كل نواحيه. وما دام الأمر كذلك فاطمئن يا محمد، كما نقول في المثل حط في بطنك بطيخة صيفي، واعلم أنهم لن ينالوا منك لا جهرة ولا تبييتا، ولا استعانة بالجنس الخفي الجن لأن الله محيط بهم، وسيبطل سعيهم، ويجعل كيدهم في نحورهم. لذلك لما تحدى الحق سبحانه وتعالى الكفار بالقرآن تحدى الجن أيضا، فقال:

قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا

[الإسراء: 88]. ففي هذا الوقت كان يشيع بين العرب أن كل نابغة في أمر من الأمور له شيطان يلهمه، وكانوا يدعون أن هذه الشياطين تسكن واديا يسمى " وادي عبقر " في الجزيرة العربية، فتحداهم القرآن أن يأتوا بالشياطين التي تلهمهم. وهكذا يطمئن الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه يحيط بالناس جميعا، ويعلم كل حركاتهم ظاهرة أو خفية من جنس ظاهر أو من جنس خفي، وباطمئنان رسول الله تشيع الطمأنينة في نفوس المؤمنين. وهذا من قيوميته تعالى في الكون، وبهذه القيومية نرد على الفلاسفة الذين قالوا بأن الخالق سبحانه زاول سلطانه في الكون مرة واحدة، فخلق النواميس، وهي التي تعمل في الكون، وهي التي تسيره. والرد على هذه المقولة بسيط، فلو كانت النواميس هي التي تسير في الكون ما رأينا في الكون شذوذا عن الناموس العام لأن الأمر الميكانيكي لا يحدث خروجا عن القاعدة، إذن: فحدوث الشذوذ دليل القدرة التي تتحكم وتستطيع أن تخرق الناموس. ومثال ذلك: النار التي أشعلوها لحرق نبي الله وخليله إبراهيم - عليه السلام - فهل كان حظ الإيمان أو الإسلام في أن ينجو إبراهيم من النار؟ لا.. لم يكن الهدف نجاة إبراهيم عليه السلام، وإلا لما مكنهم الله من الإمساك به، أو سخر سحابة تطفئ النار، ولكن أراد سبحانه أن يظهر لهم آية من آياته في خرق الناموس، فمكنهم من إشعال النار ومكنهم من إبراهيم حتى ألقوه في النار، ورأوه في وسطها، ولم يعد لهم حجة، وهنا تدخلت القدرة الإلهية لتسلب النار خاصية الإحراق:

قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم

[الأنبياء: 69]. إذن: فالناموس ليس مخلوقا ليعمل مطلقا، وما حدث ليس طلاقة ناموس، بل طلاقة قدرة للخالق سبحانه وتعالى. فكأن الحق سبحانه يريد أن يسلي رسوله ويؤنسه بمدد الله له دائما، ولا يفزعه أن يقوم قومه بمصادمته واضطهاده، ويريد كذلك أن يطمئن المؤمنين ويبشرهم بأنهم على الحق.

وقوله تعالى: ﴿ أحاط بالناس.. ﴾ [الإسراء: 60]. الإحاطة تقتضي العلم بهم والقدرة عليهم، فلن يفلتوا من علم الله ولا من قدرته، ولا بد من العلم مع القدرة لأنك قد تعلم شيئا ضارا ولكنك لا تقدر على دفعه، فالعلم وحده لا يكفي، بل لا بد له من قدرة على التنفيذ، إذن: فإحاطته سبحانه بالناس تعني أنه سبحانه يعلمهم ويقدر على تنفيذ أمره فيهم. كلمة الناس تطلق إطلاقات متعددة، فقد يراد بها الخلق جميعا من آدم إلى قيام الساعة، كما في قول الحق تبارك وتعالى:

قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذى يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس

[الناس: 1-6]. وقد يراد بها بعض الخلق دون بعض، كما في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٨٩