تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو غيره من القول الكريم الذي يحفظ للوالدين كرامتهما، ولا يجرح شعورهما. وكثيرا ما يأتي المرض مع كبر السن، فترى الوالد طريح الفراش أو مشلولا - عافانا الله وإياكم - لذلك فهو في أمس الحاجة لمن يخفف عنه ويواسيه، ويفتح له باب الأمل في الشفاء ويذكره أن فلانا كان مثله وشفاه الله، وفلانا كان مثله وأخذ الله بيده، وهو الآن بخير، وهكذا. ومع هذا، كن على ذكر لفضل الوالدين عليك، ولا تنس ما كان عندهما حال طفولتك من عاطفة الحب لك والحنان عليك، وأن الله تعالى جعل هذه العاطفة الأبوية تقوى مع ضعفك، وتزيد مع مرضك وحاجتك، فترى الابن الفقير محبوبا عن أخيه الغني، والمريض أو صاحب العاهة محبوبا عن الصحيح، والغائب محبوبا عن الحاضر، والصغير محبوبا عن الكبير، وهكذا على قدر حاجة المربي يكون حنان المربي. إذن: نستطيع أن نأخذ من هذا إشارة دقيقة يجب ألا نغفل عنها، وهي: إن كان بر الوالدين واجبا عليك في حال القوة والشباب والقدرة، فهو أوجب حال كبرهما وعجزهما، أو حال مرضهما. ثم يرشدنا الحق سبحانه إلى حسن معاملة الوالدين، فيقول: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة... ﴾.

17.24

﴿ واخفض ﴾: الخفض ضد الرفع. ﴿ جناح الذل ﴾: الطائر معروف أنه يرفع جناحه ويرفرف به، إن أراد أن يطير، ويخفضه إن أراد أن يحنو على صغاره، ويحتضنهم ويغذيهم. وهذه صورة محسة لنا، يدعونا الحق سبحانه وتعالى أن نقتدي بها، وأن نعامل الوالدين هذه المعاملة، فنحنو عليهم، ونخفض لهم الجناح، كناية عن الطاعة والحنان والتواضع لهما، وإياك أن تكون كالطائر الذي يرفع جناحيه ليطير بهما متعاليا على غيره. وكثيرا ما يعطينا الشرع الحكيم أمثلة ونماذج للرأفة والرحمة في الطيور، ويجعلها قدوة لنا بني البشر. والذي يرى الطائر يحتضن صغاره تحت جناحه، ويزقهم الغذاء يرى عجبا، فالصغار لا يقدرون على مضغ الطعام وتكسيره، وليس لديهم اللعاب الذي يساعدهم على أن يزدردوا الطعام فيقوم الوالدان بهذه المهمة، ثم يناولانهم غذاءهم جاهزا يسهل بلعه، وإن تيسر لك رؤية هذا المنظر فسوف ترى الطائر وفراخه يتراقصون فرحة وسعادة. إذن: قوله تعالى: ﴿ جناح الذل.. ﴾ [الإسراء: 24]. كناية عن الخضوع والتواضع، والذل قد يأتي بمعنى القهر والغلبة، وقد يأتي بمعنى العطف والرحمة، يقول تعالى:

يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين..

[المائدة: 54]. فلو كانت الذلة هنا بمعنى القهر لقال: أذلة للمؤمنين، ولكن المعنى: عطوفين على المؤمنين. وفي المقابل

أعزة على الكافرين..

[المائدة: 54]. أي: أقوياء عليهم قاهرين لهم. وفي آية أخرى يقول تعالى:

محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم..

[الفتح: 29]. لأن الخالق سبحانه لم يخلق الإنسان رحيما على الإطلاق ولا شديدا على الإطلاق، بل خلق في المؤمن مرونة تمكنه أن يتكيف تبعا للمواقف التي يمر بها، فإن كان على الكافر كان عزيزا، وإن كان على المؤمن كان ذليلا متواضعا. ونرى وضوح هذه القضية في سيرة الصديق أبي بكر والفاروق عمر رضي الله عنهما، وقد عرف عن الصديق اللين ورقة القلب والرحمة، وعرف عن عمر الشدة في الحق والشجاعة والقوة، فكان عمر كثيرا ما يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تصادم بأحد المعاندين: " إئذن لي يا رسول الله أضرب عنقه ". وعندما حدثت حروب الردة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان لكل منهما موقف مغاير لطبيعته، فكان من رأي عمر ألا يحاربهم في هذه الفترة الحرجة من عمر الدعوة، في حين رأى الصديق محاربتهم والأخذ على أيديهم بشدة حتى يعودوا إلى ساحة الإسلام، ويذعنوا لأمر الله تعالى فقال: " والله، لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لجالدتهم عليه بالسيف، والله لو لم يبق إلا الزرع ". وقد جاء هذا الموقف من الصديق والفاروق لحكمة عالية، فلو قال عمر مقالة أبي بكر لكان شيئا طبيعيا ينسب إلى شدة عمر وجرأته، لكنه أتى من صاحب القلب الرحيم الصديق - رضي الله عنه - ليعرف الجميع أن الأمر ليس للشدة لذاتها، ولكن للحفاظ على الدين والدفاع عنه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٣٠