تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات..

[الزخرف: 32]. ثم يتحدث الحق سبحانه عن طبيعة الأداء القرآني، فيقول: ﴿ ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل... ﴾.

17.89

التصريف: هو التحويل والتنويع بأساليب مختلفة لزيادة البيان، والمراد أن القرآن الكريم لا يعالج القضايا بأسلوب رتيب جامد، بل يحول الكلام بين أساليب متعددة لأنه يخاطب طباعا متعددة، ويتعرض أيضا لموضوعات متعددة ومعاني مختلفة، فلا بد أن يصرف الأسلوب ويقلبه على أكثر من وجه، فالذي لا يفهم هذه يفهم هذه، فيعرض المعنى الواحد بأساليب متعددة وأمثال مختلفة. ونأخذ مثالا على ذلك قضية القمة، وهي الألوهية ووحدانية الله تعالى، فنرى القرآن يعرضها في معارض مختلفة هكذا:

لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا..

[الأنبياء: 22]. أي: في السماء والأرض. وهذا الأسلوب قد لا يفهمه غير العربي لأنه يفتقد الملكة اللغوية التي يتلقى بها كلام الله، وقد يعترض فيقول: إلا أداة استثناء. فالمعنى: لو كان فيهما آلهة خارج منهم الله لفسدتا، فلو كانت هناك آلهة ومعهم الله فهذه لا تجوز لأنها مشاركة، لكنها تفيد أن الله تعالى موجود، وإن كان معه آخرون، والمنطق في هذه الحالة يقول: لو كان في السماء والأرض آلهة ومعهم الله لا تفسد. لكن الحقيقة أن ﴿ إلا ﴾ هنا ليس للاستثناء، بل هي اسم بمعنى غير. فالمعنى إذن: لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا. ثم يعرضها بأسلوب آخر، فيقول تعالى:

ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض..

[المؤمنون: 91]. فالحق تبارك وتعالى منزه عن الولد والشريك، إذ لو كان معه إله آخر لذهب كل إله بما خلق، واختص نفسه بمنطقة معينة، ولعلا بعضهم على بعض، فإن أرادوا إبراز شيء للوجود، فأيهما يبرزه؟ إن قدر على إبراز واحد فالآخر عاجز، وإن لم يقدر عليه واحد بمفرده، فهما عاجزان لا يصلحان للألوهية. ثم يعرض نفس القضية بأسلوب آخر، فيقول:

قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا

[الإسراء: 42]. أي: إن كان مع الله آلهة كما يدعي المشركون لذهب هؤلاء الآلهة إلى ذي العرش يعاتبونه أو يؤدبونه، أو يعاقبونه لأنه انفرد بالملك من دونهم. وبأسلوب آخر يقول تعالى:

شهد الله أنه لا إله إلا هو..

[آل عمران: 18]. ولم يأت من ينازعه هذه المكانة، أو يدعيها لنفسه، إذن: فقد ثبتت له هذه القضية إلى أن يوجد معارض، فالمختلف فيه يتفق عليه إن لم يظهر له معارض. وسبق أن ضربنا لذلك مثلا، ولله المثل الأعلى: هب أن جماعة انصرفوا من مجلس، ثم وجد صاحب البيت حافظة نقود في مكان مجلسهم فعرضها عليهم، فلم يدعها أحد لنفسه إلا رجل واحد قال: هي لي، أيشك صاحب البيت أنها له؟ نرى هذا التصريف أيضا في أسلوب القرآن في مسألة ادعاء أن لله تعالى ولدا، تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا، فيعرضها القرآن هكذا:

وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله..

[التوبة: 30] فيرد القرآن هذا الزعم بقوله تعالى:

بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة..

[الأنعام: 101]. وفي موضع آخر يعرض المسألة هكذا:

ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون

[النحل: 57]. أي: فإن كنتم تريدون مقاسمة الخالق سبحانه، فهل يليق أن تأخذوا أنتم البنين لأنهم المفضلون حسب زعمكم، وتتركون له تعالى البنات:

ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى

[النجم: 21-22] أي: قسمة جائرة. وهكذا يصرف القرآن أسلوبه، ويحوله ليقنع به جميع العقول ليناسب كل الطباع. وتمتاز لغة العرب بالمثل والحكمة لذلك كان من التصريف في أسلوب القرآن استخدام المثل، وهو تعبير موجز، يحمل المعاني الكثيرة وتتعشق لفظه، وتقوله كما هو دون تغيير إذا جاءت مناسبته. فإذا أرسلت أحدا في مهمة أو جماعة، فيمكنك حين عودتهم تقول لهم مستفهما: ماذا وراءك يا عصام؟ هكذا بصيغة المؤنثة المفردة، لأن المثل قيل هكذا، حيث أرسل أحدهم امرأة تسمى عصام لتخطب له إحدى النساء وحينما أقبلت عليه خاطبها بهذه العبارة، فصارت مثلا. وكما تقول لصاحبك الذي يتعالى عليك: إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا إذن: المثل يمتاز بأنه يثبت على لفظه الأول ولا يتغير عنه. أما الحكمة فهي: قول شارد يقوله كل واحد، وهو كلام يقل لفظه، ويجل معناه. كما تقول: " رب أخ لك لم تلده أمك ". " لا تعلم العوان الخمرة ". " إن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى " أي: أن الذي يجهد دابته في السير لن يصل إلى ما يريد لأنها ستنقطع به ولا توصله. ومن الحكمة هذه الأبيات الشعرية التي صارت حكمة متداولة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٢٤