وفعلا صدق الله ورسوله، وجاء من ذريات هؤلاء من حملوا راية الدين، وكانوا سيوفا على أعدائه، أمثال عكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وكثير من المسلمين كانوا حريصين على قتل هؤلاء حال كفرهم في معارك الإسلام الأولى، وهم لا يعلمون أن الله لم يمكنهم من هؤلاء لحكمة، إنهم سوف يكونون معك من سيوف الإسلام وقادته. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس... ﴾.
17.106
معنى ﴿ فرقناه ﴾ أي: فصلناه، أو أنزلناه مفرقا منجما حسب الأحداث ﴿ على مكث ﴾ على تمهل وتؤدة وتأن. وقد جاءت هذه الآية للرد على الكفار الذين اقترحوا أن ينزل القرآن جملة واحدة، كما قال تعالى حكاية عنهم:
وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة..
[الفرقان: 32]. وأول ما نلحظه عليهم أن أسلوبهم فضحهم، وأبان ما هم فيه من تناقض، ألم يسبق لهم أن اتهموا الرسول بافتراء القرآن. وها هم الآن يقرون بأنه نزل عليه، أي: من جهة أعلى، ولا دخل له فيه، وقد سبق أن أوضحنا أنهم لا يتهمون القرآن، بل يتهمون رسول الله الذي نزل عليه القرآن. ثم يتولى الحق سبحانه الرد عليهم في هذا الاقتراح، ويبين أنه اقتراح باطل لا يتناسب وطبيعة القرآن، فلا يصح أن ينزل جملة واحدة كما اقترحوا للأسباب الآتية: 1-:
كذلك لنثبت به فؤادك..
[الفرقان: 32]. ﴿ كذلك ﴾ أي: أنزلناه كذلك على الأمر الذي تنتقدونه من أنه نزل مفرقا منجما حسب الأحداث
لنثبت به فؤادك..
[الفرقان: 32] لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتعرض لكثير من تعنتات الكفار، وسيقف مواقف محرجة من تعذيب وتنكيل وسخرية واستهزاء، وهو في كل حالة من هذه يحتاج لتثبيت وتسلية. وفي نزول الوحي عليه يوما بعد يوم، وحسب الأحداث ما يخفف عنه، وما يزيل عن كاهله ما يعاني من مصاعب ومشاق الدعوة وفي استدامة الوحي ما يصله دائما بمن بعثه وأرسله، أما لو نزل القرآن جملة واحدة لكان التثبيت أيضا مرة واحدة، ولفقد رسول الله جانب الصلة المباشرة بالوحي، وهذا هو الجانب الذي يتعلق في الآية برسول الله. 2-
ورتلناه ترتيلا
[الفرقان: 32] أي: نزلناه مرتلا مفرقا آية بعد آية، والرتل: هو المجموعة من الشيء. كما نقول: رتل من السيارات، وهكذا نزل القرآن مجموعة من الآيات بعد الأخرى، وهذه الطريقة في التنزيل تيسر للصحابة حفظ القرآن وفهمه والعمل به، فكانوا رضوان الله عليهم يحفظون القدر من الآيات ويعملون بها، وبذلك تيسر لهم حفظ القرآن والعمل به، فكانت هذه الميزة خاصة بالصحابة الذين حفظوا القرآن، وما زلنا حتى الآن نجزئ القرآن للحفظة، ونجعله ألواحا، يحفظ اللوح تلو الآخر. 3-
ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا
[الفرقان: 33]. وهذه للمخالفين لرسول الله، وللمعاندين لمنهج الله الذين سيعترضون عليه، ويحاولون أن يستدركوا عليه أمورا، وأن يتهموا رسول الله، فلا بد من الرد عليهم وإبطال حججهم في وقتها المناسب، ولا يتأتى ذلك إذا نزل القرآن جملة واحدة. ﴿ ولا يأتونك بمثل ﴾ أي: بشيء عجيب يستدركون به عليك ﴿ إلا جئناك بالحق ﴾ أي: ردا عليهم بالحق الثابت الذي لا جدال فيه.
وإليك أمثلة لرد القرآن عليهم ردا حيا مباشرا. فلما اتهموا رسول الله وقالوا:
إن تتبعون إلا رجلا مسحورا
[الإسراء: 47] رد القرآن عليهم بقوله تعالى:
ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم
[القلم: 1-4] والمسحور لا يكون أبدا على خلق عظيم. ولما قالوا:
مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق..
[الفرقان: 7] يرد القرآن عليهم بقوله تعالى:
ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق..
[الفرقان: 20]. فليس محمد صلى الله عليه وسلم بدعا في هذه المسألة، فهو كغيره من الرسل الذين عرفت عنهم هذه الصفات، وفي هذا ما يؤكد سلامة الأسوة في محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه بشر مثل الذين أرسلنا إليهم من قبله، إنما لو كانت في محمد خاصية ليست في غيره ربما اعترضوا عليها واحتجوا بها. لذلك كان من أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه ومع صحابته أنه قال: