تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.23

بعد أن وجهنا الله تعالى إلى القضية العقدية الكبرى:

لا تجعل مع الله إلها آخر..

[الإسراء: 22]. أراد سبحانه أن يبين لنا أن العقيدة والإيمان لا يكتملان إلا بالعمل، فلا يكفي أن تعرف الله وتتوجه إليه، بل لا بد أن تنظر فيما فرضه عليك، وفيما كلفك به لذلك كثيرا ما نجد في آيات الكتاب الكريم الجمع بين الإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى:

والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 1-3]. لأن فائدة الإيمان وثمرته العمل الصالح، وما دمت ستسلك هذا الطريق فانتظر مواجهة أهل الباطل والفساد والضلال، فإنهم لن يدعوك ولن يسالموك، ولا بد أن تسلح نفسك بالحق والقوة والصبر، لتستطيع مواجهة هؤلاء. ودليل آخر على أن الدين ليس الإيمان القولي فقط، أن كفار مكة لم يشهدوا أن لا إله إلا الله، فلو كانت المسألة مسألة الإيمان بإله واحد وتنتهي القضية لكانوا قالوا وشهدوا بها، إنما هم يعرفون تماما أن للإيمان مطلوبا، ووراءه مسئولية عملية، وأن من مقتضى الإيمان بالله أن تعمل بمراده وتأخذ بمنهجه. ومن هنا رفضوا الإيمان بإله واحد، ورفضوا الانقياد لرسوله صلى الله عليه وسلم الذي جاء ليبلغهم مراد الله تعالى، وينقل إليهم منهجه، فمنهج الله لا ينزل إلا على رسول يحمله ويبلغه للناس، كما قال تعالى:

وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشآء إنه علي حكيم

[الشورى: 51]. وها هي أول الأحكام في منهج الله: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه.. ﴾ [الإسراء: 23]. وقد آثر الحق سبحانه الخطاب ب ﴿ ربك ﴾ على لفظ الله لأن الرب هو الذي خلقك ورباك، ووالى عليك بنعمه، فهذا اللفظ أدعى للسمع والطاعة، حيث يجب أن يخجل الإنسان من عصيان المنعم عليه وصاحب الفضل. ﴿ وقضى ربك.. ﴾ [الإسراء: 23]. الخطاب هنا موجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي بلغ المرتبة العليا في التربية والأدب، وهي تربية حقة لأن الله تعالى هو الذي رباه، وأدبه أحسن تأديب. وفي الحديث الشريف:

" أدبني ربي فأحسن تأديبي ".

قضى: معناها: حكم لأن القاضي هو الذي يحكم، ومعناها أيضا: أمر، وهي هنا جامعة للمعنيين، فقد أمر الله ألا تعبدوا إلا إياه أمرا مؤكدا، كأنه قضاء وحكم لازم. وقد تأتي قضى بمعنى: خلق. كما في قوله تعالى:

فقضاهن سبع سماوات..

[فصلت: 12]. وتأتي بمعنى: بلغ مراده من الشيء، كما في قوله تعالى:

فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها..

[الأحزاب: 37]. وقد تدل على انتهاء المدة كما في:

فلما قضى موسى الأجل..

[القصص: 29]. وتأتي بمعنى: أراد كما في:

فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون

[غافر: 68]. إذن: قضى لها معان متعددة، لكن تجتمع كلها لتدل على الشيء اللازم المؤكد الذي لا نقص فيه. وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا إياه.. ﴾ [الإسراء: 23]. العبادة: هي إطاعة آمر في أمره ونهيه، فتنصاع له تنفيذا للأمر، واجتنابا للنهي، فإن ترك لك شيئا لا أمر فيه ولا نهي فاعلم أنه ترك لك الاختيار، وأباح لك: تفعل أو لا تفعل. لذلك، فالكفار الذين عبدوا الأصنام والذين أتوا بها حجارة من الصحراء، وأعملوا فيها المعاول والأدوات لينحتوها، وتكسرت منهم فعالجوها، ووقعت فأقاموها، وهم يرون كم هي مهينة بين أيديهم لدرجة أن أحدهم رأى الثعلب يبول برأس أحد الأصنام فقال مستنكرا حماقة هؤلاء الذين يعبدونها:

أرب يبول الثعلبان برأسه

لقد ذل من بالت عليه الثعالب

فإذا ما تورطوا في السؤال عن آلهتهم هذه قالوا: إنها لا تضر ولا تنفع، وما نعبدها إلا ليقربونا إلى الله زلفى، كيف والعبادة طاعة أمر واجتناب نهي. فبأي شيء أمرتكم الأصنام؟ وعن أي شيء نهتكم؟! إذن: كلامكم كذب في كذب. وفي قوله تعالى: ﴿ ألا تعبدوا إلا إياه.. ﴾ [الإسراء: 23]. أسلوب يسمونه أسلوب قصر، يفيد قصر العبادة وإثباتها لله وحده، بحيث لا يشاركه فيها أحد. فلو قالت الآية: وقضى ربك أن تعبدوه.. فلقائل أن يقول: ونعبد غيره لأن باب العطف هنا مفتوح لم يغلق، كما لو قلت: ضربت فلانا وفلانا وفلانا.. هكذا باستخدام العطف. إنما لو قلت، ما ضربت إلا فلانا فقد أغلقت باب العطف. إذن: جاء التعبير بأسلوب القصر ليقول: اقصروا العبادة عليه سبحانه، وانفوها عن غيره. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى التكليف والأمر الثاني بعد عبادته:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٢٦