تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي فلسفة الحج أمر عجيب، فالجماد الذي هو أدنى الأجناس نجد له مكانة ومنزلة، فالكعبة حجر يطوف الناس من حوله، وفي ركنها الحجر الأسعد الذي سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبيله وهو حجر، وعليه يتزاحم الناس ويتشرفون بتقبيله والتمسح به. وهذا مظهر من مظاهر استطراق العبودية في الكون، فالإنسان المخدوم الأعلى لجميع الأجناس يرى الشرف والكرامة في تقبيل حجر. وكذلك النبات يحرم قطعه، وإياك أن تمتد يدك إليه، وكذلك الحيوان يحرم صيده، فهذه الأشياء التي تخدمني أتى الوقت الذي أخدمها وأقدسها، وجعلها الحق سبحانه وتعالى مرة في العمر لنلمح الأصل، ولكي لا يغتر الإنسان بإنسانيته، وليعلم أن العبودية لله تعالى تسري في الكون كله. فإياك أيها الإنسان أن تخدش هذا الاستطراق العبودي في الكون بمرح أو خيلاء أو تعال. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ كل ذلك كان سيئه... ﴾.

17.38

أي: كل ما تقدم من وصايا وتوجيهات بداية من قوله تعالى:

لا تجعل مع الله إلها آخر..

[الإسراء: 22]. وهذه الأمور التي تقدمت، والتي تحفظ للمجتمع توازنه وسلامته فيها السيء وفيها الحسن، والسيء هو المكروه من الله تعالى، والله تعالى لا يكره إلا ما خالف منهج العبودية له سبحانه، أما الإنسان فيكره ما يخالف هواه، ولا يتفق ومزاجه. وهذه الأوامر والنواهي التي تقدمت يقولون: إنها الوصايا العشر التي نزلت على موسى - عليه السلام - والمقصودة في قوله تعالى:

وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها..

[الأعراف: 145]. ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ ذلك ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٥٧