17.111
فما المحمود عليه في الآية؟ الحق سبحانه يقول:
الذي لم يتخذ ولدا..
[الإسراء: 111]. فكونه سبحانه لم يتخذ ولدا نعمة كبيرة على العباد يجب أن يحمدوه عليها، فإن كان له ولد فسوف يخصه برعايته دون باقي الخلق، فقد تنزه سبحانه عن الولد، وجعل الخلق جميعهم عياله، وكلهم عنده سواء، فليس من بينهم من هو ابن لله أو من بينه وبين الله قرابة، وأحبهم إليه تعالى أتقاهم له، وهكذا ينفرد الخلق بكل حنان ربهم وبكل رحمته. ثم، ما الحكمة من اتخاذ الولد؟ الناس يتخذون الولد ويحرصون على الذكر، خاصة لأمرين: أن يكون الولد ذكرى وامتدادا لأبيه بعد موته، كما قال الشاعر:
أبني يا أنا بعدما أقضي
والحق سبحانه وتعالى باق دائم، فلا يحتاج لمن يخلد ذكراه، أو يكون امتدادا له، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فالحمد لله أنه لم يتخذ ولدا. أو يكون الولد للعزوة والمكاثرة والتقوى به من ضعف، والحق سبحانه وتعالى هو الغالب القهار، فلا يحتاج إلى عزوة أو كثرة، لذلك يأمرنا سبحانه أن نمجده لأنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، والمتأمل في حال الملوك والسلاطين يجد أكثر فسادهم إما من الولد وإما من الصاحبة. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولم يكن له شريك في الملك.. ﴾ [الإسراء: 111]. وهذا أيضا من النعم التي تستوجب الحمد، ولك أن تتصور لو أن لله تعالى شريكا في الملك، كم تكون حيرة العباد، فأيهما تطيع وأيهما ترضي؟ لقد أوضح لنا الحق سبحانه هذه المسألة في هذا المثل الذي ضربه لنا:
ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا..
[الزمر: 29]. لذلك، ففي أعراف الناس وأمثالهم يقولون: المركب التي بها ريسين تغرق وكونه سبحانه واحدا لا شريك له يجعلك تطمئن إلى أمره ونهيه فتطيعه وأنت مطمئن، فأوامره سبحانه نافذة لا معقب لها، ولا معترض عليها، فليس هناك إله آخر يأمرك بأمر مخالف، أليست هذه نعمة تستوجب الحمد؟ وأيضا فإن الحق سبحانه يقول: ﴿ ولم يكن له ولي من الذل.. ﴾ [الإسراء: 111]. الولي: هو الذي يليك، وأنت لا تجعل أمرك إلا لمن تثق به أنه يجلب لك نفعا، أو يدفع عنك ضرا، أو ينصرك أمام عدو، أو يقوي ضعفك، فإذا لم يكن لك ذاتية تحقق بها ما تريد تلجأ لمن له ذاتية، وتحتمي برحابه، وتجعل ولاءك له. والحق سبحانه ليس له ولي يلجأ إليه ليعزه لأنه سبحانه العزيز المعز القائم بذاته سبحانه، ولا حاجة له إلى أحد. ثم يقول تعالى: ﴿ وكبره تكبيرا ﴾ [الإسراء: 111]. لأن عظمة الحق سبحانه في نفس المؤمن أكبر من كل شيء، وأكبر من كل كبير لذلك جعلت الله أكبر شعار أذانك وصلاتك، فلا بد أن تكبر الله، وتجعله أكبر مما دونه من الأغيار، فإن ناداك وأنت في أي عمل فقل: الله أكبر من عملي، وإن ناداك وأنت في حضرة عظيم، فقل: الله أكبر من أي عظيم، كبره تكبيرا بأن تقدم أوامره ونواهيه على كل أمر، وعلى كل نهي.
ولا تنس أنك إن كبرت الحق سبحانه وتعالى أعززت نفسك بعزة الله التي لا يعطيها إلا لمن يخلص العبودية له سبحانه، فضلا عن أن العبودية لله شرف للعبد، وبها يأخذ العبد خير سيده، أما العبودية للبشر فهي مذمومة مكروهة، وهي مذلة وهوان، حيث يأخذ السيد خير عبده. وصدق الشاعر حين قال:
حسب نفسي عزا بأني عبد
يحتفي بي بلا مواعيد رب
هو في قدسه الأعز ولكن
أنا ألقى متى وأين أحب
فكم تتحمل من المشقة والعنت في مقابلة عظيم من عظماء الدنيا، أما في مقابلة رب العزة سبحانه، فبمجرد أن آمنت به أصبح الزمام في يدك تلقاه متى شئت، وفي أي مكان أردت، وتحدثه في أي أمر أحببت، فأي عزة بعد هذا؟ ولذلك كانت حيثية الرفعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج أنه عبد لله، حيث قال تعالى:
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا..