تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.43

وقوله ﴿ سبحانه ﴾ يعني تنزيها مطلقا له تعالى في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، فلله تعالى ذات ليست كذاتك، وله صفات ليست كصفاتك، وله أفعال ليست كأفعالك لأن الأشياء تختلف في الوجود بحسب الموجد لها. فمثلا: لو بني كل من العمدة، ومأمور المركز، والمحافظ بيتا، فسوف يتفاوت هذا البناء من واحد للآخر، بحسب قدرته ومكانته. وكذلك لا بد من وجود هذا التفاوت بين إله ومألوه، وبين رب ومربوب، وبين عابد ومعبود. إذن: كل الأشياء في المتساوي تتفاوت بتفاوت الناس. وقوله: ﴿ علوا كبيرا ﴾ [الإسراء: 43] أي: تعالى الله وتنزه عما يقول هؤلاء علوا كبيرا لأن الناس تتفاوت في العلو. ونلاحظ أن الحق سبحانه اختار كبيرا ولم يقل: أكبر. وهذا من قبيل استعمال اللفظ في موضعه المناسب لأن كبيرا تعني: أن كل ما سواه صغير، لكن أكبر تعني أن ما دونه كبير أي: مشارك له في الكبر. لذلك نقول في نداء الصلاة: الله أكبر وهي صفة له سبحانه، وليست من أسمائه ذلك لأن من أعمال الحياة اليومية ما يمكن أن يوصف بأنه كبير، كأعمال الخير والسعي على الأرزاق، فهذه كبيرة، ولكن: الله أكبر. ثم يقول تعالى: ﴿ تسبح له السماوات السبع والأرض... ﴾.

17.44

التسبيح: هو حيثية الإيمان بالله لأنك لا تؤمن بشيء في شيء إلا أن تثق أن من آمنت به فوقك في ذلك الشيء، فأنت لا توكل أحدا بعمل إلا إذا أيقنت أنه أقدر منك وأحكم وأعلم. فإذا كنت قد آمنت بإله واحد، فحيثية ذلك الإيمان أن هذا الإله الواحد فوق كل المألوهين جميعا، وليس لأحد شبه به، وإن اشترك معه في مطلق الصفات، فالله غني وأنت غني، لكن غنى الله ذاتي وغناك موهوب، يمكن أن يسلب منك في أي وقت. وكذلك في صفة الوجود، فالله تعالى موجود وأنت موجود، لكن وجوده تعالى لا عن عدم، بل هو وجود ذاتي ووجودك موهوب سينتهي في أي وقت. إذن: فتسبيح الله هو حيثية الإيمان به كإله، وإلا لو أشبهناه في شيء أو أشبهنا في شيء ما استحق أن يكون إلها. والتسبيح: هو التنزيه، وهذا ثابت لله تعالى قبل أن يوجد من خلقه من ينزهه، والحق سبحانه منزه بذاته والصفة كائنة له قبل أن يخلق الخلق لأنه خالق قبل أن يخلق، كما نقول: فلان شاعر، أهو شاعر لأنه قال قصيدة؟ أم شاعر بذاته قبل أن يقول شعرا؟ الواقع أن الشعر موهبة، وملكة عنده، ولولاها ما قال شعرا، إذن: هو شاعر قبل أن يقول. كذلك فصفات الكمال في الله تعالى موجودة قبل أن يوجد الخلق. لذلك فإن المتتبع لهذه المادة في القرآن الكريم مادة سبح يجدها بلفظ سبحان في أول الإسراء:

سبحان الذي أسرى..

[الإسراء: 1]. ومعناها أن التنزيه ثابت لله تعالى قبل أن يخلق من ينزهه. ثم بلفظ:

سبح لله ما في السماوات والأرض..

[الحديد: 1]. بصيغة الماضي، والتسبيح لا يكون من الإنسان فقط، بل من السماوات والأرض، وهي خلق سابق للإنسان. ثم يأتي بلفظ:

يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض..

[الجمعة: 1]. بصيغة المضارع ليدل على أن تسبيح الله ليس في الماضي، بل ومستمر في المستقبل لا ينقطع. إذن: ما دام التسبيح والتنزيه ثابتا لله تعالى قبل أن يخلق من ينزهه، وثابتا لله من جميع مخلوقاته في السماوات والأرض، فلا تكن أيها الإنسان نشازا في منظومة الكون، ولا تخرج عن هذا النشيد الكوني:

سبح اسم ربك الأعلى

[الأعلى: 1]. وقوله تعالى: ﴿ وإن من شيء.. ﴾ [الإسراء: 44]. أي: ما من شيء، كل ما يقال له شيء. والشيء هو جنس الأجناس، فالمعنى أن كل ما في الوجود يسبح بحمده تعالى. وقد وقف العلماء أمام هذه الآية، وقالوا: أي تسبيح دلالة على عظمة التكوين، وهندسة البناء، وحكمة الخلق، وهذا يلفتنا إلى أن الله تعالى منزه ومتعال وقادر، ولكنهم فهموا التسبيح على أنه تسبيح دلالة فقط لأنهم لم يسمعوا هذا التسبيح ولم يفهموه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٦١