17.9
فمن كان يريد الأسوة الطيبة في عبودية الرسول لربه، هذه العبودية التي جعلته يسرى به إلى بيت المقدس، ثم يصعد به إلى السماء، ومن كان يريد أن يكون مثل نوح في عبوديته لربه فأكرم ذريته من أجله، فعليه أن يسير على دربهم، وأن يقتدي بهم في عبوديتهم لله تعالى، وليحذر أن يكون مثل اليهود الذين أفسدوا في الأرض مرتين. والذي يرسم لنا الطريق ويوضح لنا الحق من الباطل هو القرآن الكريم: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.. ﴾ [الإسراء: 9]. قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ إن هذا القرآن.. ﴾ [الإسراء: 9]. هل عند نزول هذه الآية كان القرآن كله قد نزل، ليقول: إن هذا القرآن؟ نقول: لم يكن القرآن كله قد نزل، ولكن كل آية في القرآن تسمى قرآنا، كما قال تعالى:
فإذا قرأناه فاتبع قرآنه
[القيامة: 18]. فليس المراد القرآن كله، بل الآية من القرآن قرآن. ثم لما اكتمل نزول القرآن، واكتملت كل المسائل التي تضمن لنا استقامة الحياة، قال تعالى:
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا..
[المائدة: 3]. فإن استشرف مستشرف أن يستزيد على كتاب الله، أو يأتي بجديد فليعلم أن منهج الله منزه عن النقص، وفي غنى عن زيادتك، وما عليك إلا أن تبحث في كتاب الله، وسوف تجد فيه ما تصبو إليه من الخير. قوله: ﴿ يهدي.. ﴾ [الإسراء: 9]. الهداية هي الطريق الموصل للغاية من أقرب وجه، وبأقل تكلفة. وهو الطريق المستقيم الذي لا التواء فيه، وقلنا: إن الحق سبحانه يهدي الجميع ويرسم لهم الطريق، فمن اهتدى زاده هدى، كما قال سبحانه:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17]. ومعنى: ﴿ أقوم.. ﴾ [الإسراء: 9]. أي: أكثر استقامة وسلاما. هذه الصيغة تسمى أفعل التفضيل، إذن: فعندنا أقوم وعندنا أقل منه منزلة قيم كأن نقول: عالم وأعلم. فقوله سبحانه: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.. ﴾ [الإسراء: 9]. يدل على وجود القيم في نظم الناس وقوانينهم الوضعية، فالحق سبحانه لا يحرم البشر من أن يكون لهم قوانين وشرائع حينما تعضهم المظالم ويشقون بها، فيقننون تقنينات تمنع هذا الظلم. ولا مانع من ذلك إذا لم ينزل لهم منهج من السماء، فما وضعوه وإن كان قيما فما وضعه الله أقوم، وأنت لا تضع القيم إلا بعد أن تعض بشيء معوج غير قيم، وإلا فماذا يلفتك للقيم؟ أما منهج السماء فإنه يضع الوقاية، ويمنع المرض من أساسه، فهناك فرق بين الوقاية من المرض وبين العلاج للمرض، فأصحاب القوانين الوضعية يعدلون نظمهم لعلاج الأمراض التي يشقون بها. أما الإسلام فيضع لنا الوقاية، فإن حدثت غفلة من المسلمين، وأصابتهم بعض الداءات نتيجة انصرافهم عن منهج ربهم نقول لهم: عودوا إلى المنهج: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.
. } [الإسراء: 9]. ولتوضيح أن منهج الحق سبحانه أقوم نروي ما حدث معنا في مدينة " سان فرانسيسكو " فقد سألنا أحد المستشرقين عن قول الحق تبارك وتعالى:
يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون
[التوبة: 32]. وفي آية أخرى يقول:
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
[التوبة: 33]. فكيف يقول القرآن:
ليظهره على الدين كله..
[التوبة: 33]. في حين أن الإسلام محصور، وتظهر عليه الديانات الأخرى؟ فقلت له: لو تأملت الآية لوجدت فيها الرد على سؤالك، فالحق سبحانه يقول:
ولو كره الكافرون
[التوبة: 32]. ويقول:
ولو كره المشركون
[التوبة: 33]. إذن: فالكافرون والمشركون موجودون، فالظهور هنا ليس ظهور اتباع، ولم يقل القرآن: إن الناس جميعا سيؤمنون. ومعنى الظهور هنا ظهور حجة وظهور حاجة، ظهور نظم وقوانين، ستضرهم أحداث الحياة ومشاكلها إلى التخلي عن قوانينهم والأخذ بقوانين الإسلام لأنهم وجدوا فيها ضالتهم. فنظام الطلاق في الإسلام الذي كثيرا ما هاجموه وانتقدوه، ورأوا فيه ما لا يليق بالعلاقة الزوجية، ولكن بمرور الزمن تكشفت لهم حقائق مؤلمة، وشقي الكثيرون منهم لعدم وجود هذا الحل في قوانينهم، وهكذا ألجأتهم مشاكل الحياة الزوجية لأن يقننوا للطلاق. ومعلوم أن تقنينهم للطلاق ليس حبا في الإسلام أو اقتناعا به، بل لأن لديهم مشاكل لا حل لها إلا بالطلاق، وهذا هو الظهور المراد في الآيتين الكريمتين، وهو ظهور بشهادتكم أنتم لأنكم ستلجأون في حل قضاياكم لقوانين الإسلام، أو قريبا منها. ومن هذه القضايا أيضا قضية تحريم الربا في الإسلام، فعارضوه وأنكروا هذا التحريم، إلى أن جاء " كنز " وهو زعيم اقتصادي عندهم، يقول لهم: انتبهوا، لأن المال لا يؤدي وظيفته كاملة في الحياة إلا إذا انخفضت الفائدة إلى صفر. سبحان الله، ما أعجب لجج هؤلاء في خصومتهم مع الإسلام، وهل تحريم الربا يعني أكثر من أن تنخفض الفائدة إلى صفر؟ إنهم يعودون لمنهج الله تعالى رغما عنهم، ومع ذلك لا يعترفون به. ولا يخفى ما في التعامل الربوي من سلبيات، وهل رأينا دولة اقترضت من أخرى، واستطاعت على مر الزمن أن تسدد حتى أقساط الفائدة؟ ثم نراهم يغالطوننا يقولون: ألمانيا واليابان أخذت قروضا بعد الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك تقدمت ونهضت. نقول لهم: كفاكم خداعا، فألمانيا واليابان لم تأخذ قروضا، وإنما أخذت معونة لا فائدة عليها، تسمى معونة مارشال. وأيضا من هذه القضايا التي ألجأتهم إليها مشاكل الحياة قضية ميراث المرأة، فلما عضتهم قننوا لها. فظهور دين الله هنا يعني ظهور نظم وقوانين ستضطرهم ظروف الحياة إلى الأخذ بها، وليس المقصود به ظهور اتباع.