تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.68

فهؤلاء الذين أعرضوا عن الله بعد إذ نجاهم في البحر أأمنوا مكر الله في البر؟ وهل الخطر في البحر فقط؟ وأليس الله تعالى بقادر على أن ينزل بهم في البر مثل ما أنزل بهم في البحر؟ يقول تعالى: ﴿ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر.. ﴾ [الإسراء: 68]. كما قال تعالى في شأن قارون:

فخسفنا به وبداره الأرض..

[القصص: 81] ولستم ببعيدين عن هذا إن أراده الله لكم، وإن كنا نقول " البر أمان " فهذا فيما بيننا وبين بعضنا، أما إن جاء أمر الله فلن يمنعنا منه مانع. وقوله تعالى: ﴿ أو يرسل عليكم حاصبا.. ﴾ [الإسراء: 68] أي: ريحا تحمل الحصباء، وترجمكم بها رجما، والحصباء الحصى الصغار، وهي لون من ألوان العذاب الذي لا يدفع ولا يرد لذلك قال بعدها: ﴿ ثم لا تجدوا لكم وكيلا ﴾ [الإسراء: 68]. أي: لا تجدوا من ينصركم، أو يدافع عنكم. إذن: لا تظنوا أن البر أمان لا خطر فيه.. لا، بل خطري موجود غير بعيد منكم، سواء أكنتم في البحر أو في البر. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى... ﴾.

17.69

أي: وإن نجاكم من خطر البحر، فلا مجال للأمن في البر لأنه قادر سبحانه أن يذيقكم بأسه في البر، أو يعيدكم في البحر مرة أخرى، ويوقعكم فيما أوقعكم فيه من كرب في المرة الأولى، فالمعنى: أنجوتم فأمنتم. وقوله تعالى: ﴿ فيرسل عليكم قاصفا من الريح.. ﴾ [الإسراء: 69]. القاصف: هو الذي يقصف بعنف وشدة، ولا يكون إلا في اليابس ﴿ فيغرقكم بما كفرتم... ﴾ [الإسراء: 69] أي: بسبب كفركم بنعمة الله، وجحودكم لفضله، فقد نجاكم في البحر فأعرضتم وتمردتم، في حين كان عليكم أن تعترفوا لله بالجميل، وتقروا له بالفضل. ثم يقول تعالى: ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ﴾ [الإسراء: 69]. عندنا تابع وتبيع، التابع: هو الذي يتبعك لعمل شيء فيك، أما التبيع: فهو الذي يوالي تتبعك، ويبحث عنك لأخذ ثأره منك. فالمعنى: إن فعلنا بكم هذه الأفعال فلن تجدوا لكم تبيعا يأخذ بثأركم أو ينتقم لكم، إذن: لا أمل لكم في ناصر ينصركم، أو مدافع يحميكم. وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: أنا لا أخاف رد الفعل منكم، والإنسان يحجم عن الفعل مخافة رد الفعل، ويجلس يفكر طويلا: إذا ضربت فلانا فسيأتي أهله ويفعلون بي كذا وكذا، أما الحق سبحانه وتعالى فلا أحد يستطيع ردا على انتقامه أو عذابه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٠٢