تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.84

أي: أن كل إنسان يعمل على طريقته، وعلى طبيعته، وعلى مقدار ما تكونت به من خلايا الإيمان، أو من خلايا إيمان اختلطت بخلايا عصيان، أو بما عنده من خلايا كفر، فالناس مختلفون وليسوا على طبع واحد، فلا تحاول - إذن - أن تجعل الناس على طبع واحد. وما دام الأمر كذلك، فليعمل كل واحد على شاكلته، وحسب طبيعته، فإن أساء إليك إنسان سيء الطبع فلا تقابله بسوء مثله، ولتعمل أنت على شاكلتك، ولتقابله بطبع طيب لذلك يقولون: لا تكافئ من عصى الله فيك بأكثر من أن تطيع الله فيه. وبذلك يستقيم الميزان في المجتمع، ولا تتفاقم فيه أسباب الخلاف. ثم يقول تعالى: ﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ﴾ [الإسراء: 84] والرب: المتولي للتربية، والمتولي للتربية لا شك يعلم خبايا المربى، ويعلم أسراره ونواياه، كما قال تعالى:

ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

[الملك: 14]. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي... ﴾.

17.85

والسؤال يرد في القرآن بمعان متعددة، ووردت هذه الصيغة ﴿ يسألونك ﴾ في مواضع عدة، فإن كان السؤال عن شيء نافع يضر الجهل به أجابهم القرآن، كما في قوله تعالى:

ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض..

[البقرة: 222]. وقوله تعالى:

يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم

[البقرة: 215]. فإن كان السؤال عن شيء لا يضر الجهل به، لفت القرآن أنظارهم إلى ناحية أخرى نافعة، كما في سؤالهم عن الأهلة: كيف يبدو الهلال صغيرا ثم يكبر ويكبر إلى أن يصير بدرا، ثم يأخذ في التناقص ليعود كما بدأ؟ فالحديث مع العرب الذين عاصروا نزول القرآن في هذه الأمور الكونية التي لم نعرفها إلا حديثا أمر غير ضروري، وفوق مستوى فهمهم، ولا تتسع له عقولهم، ولا يترتب عليه حكم، ولا ينتج عن الجهل به ضرر، ولو أخبرهم القرآن في إجابة هذا السؤال بحقيقة دوران القمر بين الأرض والشمس وما يترتب على هذه الدورة الكونية من ليل ونهار، وهم أمة أمية غير مثقفة لاتهموا القرآن بالتخريف، ولربما انصرفوا عن أصل الكتاب كله. لكن يحولهم القرآن، ويلفت أنظارهم إلى ما يمكن الانتفاع به من الأهلة:

قل هي مواقيت للناس والحج..

[البقرة: 189]. وقد يأتي السؤال، ويراد به اختبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما حدث من اتفاق كفار مكة واليهود حيث قالوا لهم: اسألوه عن الروح، وهم يعلمون تماما أن هذه مسألة لا يعلمها أحد، لكنهم أرادوا الكيد لرسول الله، فلعله يقول في الروح كلاما يأخذونه عليه ويستخدمونه في صرف الناس عن دعوته. ولا شك أنه سؤال خبيث لأن الإنسان عامة يحب أن يظهر في مظهر العالم، ولا يحب أن يعجز أمام محاوره فاستغلوا هذه العاطفة، فالرسول لن يصغر نفسه أمام سائليه من أهل مكة، وسوف يحاول الإجابة عن سؤالهم. ولكن خيب الله سعيهم، فكانت الإجابة: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾ [الإسراء: 85]. فعندما سمع أهل الكتاب هذه الإجابة آمن كثيرون منهم لأنها طابقت ما قالته كتبهم عن الروح، وأنها من عند الله. و ﴿ الروح ﴾ لها إطلاقات متعددة، منها: الروح التي تمد الجسم بالحياة إن اتصلت به، كما في قوله تعالى:

فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين

[الحجر: 29]. فإذا ما فارقت هذه الروح الجسد فقد فارق الحياة، وتحول إلى جثة هامدة، وفيها يقول تعالى:

فلولا إذا بلغت الحلقوم

[الواقعة: 83]. وقد تأتي الروح لتدل على أمين الوحي جبريل عليه السلام، كما في قوله تعالى:

نزل به الروح الأمين

[الشعراء: 193]. وقد تطلق الروح على الوحي ذاته، كما في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣١٨