قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب
[الرعد: 43]. ونحن مكتفون بشهادة هؤلاء لأنهم قوم صادقون مع أنفسهم، صادقون مع أنبيائهم ومع كتبهم التي تلقوها، فحينما بشرت بمحمد ووصفته لم ينكروا هذه الصفات ولم يحرفوها، بل كانوا يسارعون إلى المدينة انتظارا لمبعث النبي الجديد الذي سيظهر فيها، لقد كانوا يقولون لكفار مكة: لقد أظل زمان نبي جديد نتبعه قبلكم، ونقتلكم به قتل عاد وإرم.
فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين
[البقرة: 89] إلا أن الله أبقى للحق خلية، وجعل له خميرة استجابت لرسول الله، وتفاعلت مع الدين الجديد. وقوله تعالى: ﴿ إذا يتلى عليهم.. ﴾ [الإسراء: 107] أي: القرآن ﴿ يخرون للأذقان سجدا ﴾ [الإسراء: 107]. كلمة ﴿ يخرون ﴾ توحي بأنهم يسارعون إلى السجود، وكأنها عملية انفعالية غير إرادية ليس لهم فيها تصرف، فبمجرد سماع القرآن يرتمون على الأرض ساجدين لأنهم تفاعلوا معه، واختمر الإيمان في نفوسهم. ليس ذلك وفقط، بل ويخرون ﴿ للأذقان ﴾ جمع ذقن، وهي أسفل الفك السفلي، ومعلوم أن السجود يكون على الجبهة، أما هؤلاء فيسجدون بالوجه كله، وهذا دليل على الخضوع والاستسلام لله تعالى. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ويقولون سبحان ربنآ... ﴾.