تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.96

﴿ قل ﴾ أي: ردا على ما اقترحوه من الآيات وعلى اعتراضهم على بشرية الرسول: ﴿ كفى بالله شهيدا بيني وبينكم.. ﴾ [الإسراء: 96]. والشهيد إنما يطلب للشهادة في قضية ما، فما القضية هنا؟ القضية هي قضية تعنت الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم طلبوا منه ما ليس في وسعه. والرسول لا يعنيه المتعنتون في شيء لأن أمره مع ربه عز وجل لذلك قال: ﴿ كفى بالله شهيدا.. ﴾ [الإسراء: 96]. فإن كانت شهادة الشاهد في حوادث الدنيا تقوم على الإخبار بما حدث، وعليها يترتب الحكم فإن شهادة الحق سبحانه تعني أنه تعالى الشهيد الذي رأى، والحاكم الذي يحكم، والسلطة التنفيذية التي تنفذ. لذلك قال: ﴿ كفى بالله شهيدا.. ﴾ [الإسراء: 96]. فهو كافيك هذا الأمر لأنه كان بعباده ﴿ خبيرا ﴾ يعلم خفاياهم ويطلع على نواياهم من وراء هذا التعنت ﴿ بصيرا ﴾ لا يخفى عليه شيء من أمرهم. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه... ﴾.

17.97

سبق أن قلنا: إن الهداية نوعان: هداية الدلالة المطلقة والتي تكون لجميع الخلق المؤمن والكافر، فقد دل الله المؤمن والكافر على الطريق المستقيم وبينه لهم وأرشدهم إليه. والأخرى: هداية التوفيق والمعونة للقيام بمطلوبات المنهج الذي آمنوا به، وهذه خاصة بالمؤمن، فبعد أن دله الله آمن وصدق واعترف لله تعالى بالفضل والجميل، بأن أنزل له منهجا ينظم حياته. فأتحفه الله تعالى بهداية التوفيق والمعونة. وعن الهداية يقول الحق سبحانه:

وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى..

[فصلت: 17]. أي: دللناهم على الطريق المستقيم، لكنهم استحبوا العمى والضلال على الهدى، فمنع الله عنهم معونته وتوفيقه. والحق سبحانه يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بأسلوبين قرآنيين يوضحان هذين النوعين من الهداية، يقول تعالى:

إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء..

[القصص: 56]. فنفى عن رسول الله هداية التوفيق والمعونة لأنه صلى الله عليه وسلم لا يملكها، وفي آية أخرى قال تعالى:

وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم

[الشورى: 52]. فأثبت له هداية البيان والدلالة لأن هذه هي مهمته كمبلغ عن الله، وهكذا أثبت له الحدث ونفاه عنه لأن الجهة منفكة أي: أن جهة الإثبات غير جهة النفي، كما في قوله تعالى:

ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا..

[الروم: 6-7]. فمرة: نفى عنهم العلم، ومرة أخرى: أثبت لهم العلم. والمراد أنهم لا يعلمون حقائق الأمور، ولكنهم يعلمون العلوم السطحية الظاهرة منها. ونحن نكرر مثل هذه القضايا لكي تستقر في النفس الإنسانية، وفي مواجيد المتدينين فينتفعوا بها. ومن ذلك أيضا قول الحق سبحانه:

وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى..

[الأنفال: 17]. فأثبت للرسول رميا، ونفى عنه رميا، لكن إذا جاء هذا الكلام من بليغ حكيم فاعلم أن الجهة منفكة لأن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر أخذ حفنة من التراب ورمى بها نحو أعدائه، وهذا هو الرمي الذي أثبتته الآية، وقد تولت القدرة الإلهية إيصال ذرات هذه الحفنة إلى عيون الأعداء، فأصابتهم جميعا وشغلتهم عن القتال، وهذا هو الرمي الذي نفاه الحق عن رسوله صلى الله عليه وسلم. ولتقريب هذه المسألة: ابنك الذي تحمله على المذاكرة وترغمه عليها يأتي بالكتب ويضعها أمامه ويقلب فيها ليوهمك أنه يذاكر، فإذا ما راجعت معه ما ذاكر لا تجده حصل شيئا فتقول له: ذاكرت وما ذاكرت، فتثبت له الحدث مرة، وتنفيه عنه أخرى لأنه ذاكر شكلا، ولم يذاكر موضوعا. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يهدي الجميع هداية إرشاد وبيان ودلالة، ويختص من آمن بهداية المعونة والتوفيق للقيام بمقتضيات المنهج، كما قال تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٣١