17.12
الحق سبحانه وتعالى جعل الزمن ليلا ونهارا ظرفا للأحداث، وجعل لكل منهما مهمة لا تتأتى مع الآخر، فهما متقابلان لا متضادان، فليس الليل ضد النهار أو النهار ضد الليل لأن لكل منهما مهمة، والتقابل يجعلهما متكاملين. ولذلك أراد الله تعالى أن ينظر بالليل والنهار في جنس الإنسان من الذكورة والأنوثة، فهما أيضا متكاملان لا متضادان، حتى لا تقوم عداوة بين ذكورة وأنوثة، كما نرى البعض من الجنسين يتعصب لجنسه تعصبا أعمى خاليا من فهم طبيعة العلاقة بين الذكر والأنثى. فالليل والنهار كجنس واحد لهما مهمة، أما من حيث النوع فلكل منهما مهمة خاصة به، وإياك أن تخلط بين هذه وهذه. وتأمل قول الحق سبحانه:
والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى
[الليل: 1-4]. فلا تجعل الليل ضدا للنهار، ولا النهار ضدا لليل، وكذلك لا تجعل الذكورة ضدا للأنوثة، ولا الأنوثة ضدا للذكورة. قوله تعالى: ﴿ وجعلنا اليل والنهار آيتين.. ﴾ [الإسراء: 12]. جعلنا: بمعنى خلقنا، والليل والنهار هما المعروفان لنا بالمعايشة والمشاهدة، ومعرفتنا هذه أوضح من أن نعرفهما، فنقول مثلا: الليل هو مغيب الشمس عن نصف الكرة الأرضية، والنهار هو شروق الشمس على نصف الكرة الأرضية. إذن: قد يكون الشيء أوضح من تعريفه. والحق سبحانه خلق لنا الليل والنهار، وجعل لكل منهما حكمة ومهمة، وحينما يتحدث عنهما، يقول تعالى:
والضحى * والليل إذا سجى
[الضحى: 1-2] فبدأ بالضحى. ويقول:
والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى
[الليل: 1-2] فبدأ بالليل. ومرة يتحدث عن اللازم لهما، فيقول:
وجعل الظلمات والنور
[الأنعام: 1]. لأن الحكمة من الليل تكمن في ظلمته، والحكمة من النهار تكمن في نوره، فالظلمة سكن واستقرار وراحة. وفي الليل تهدأ الأعصاب من الأشعة والضوء، ويأخذ البدن راحته لذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" أطفئوا المصابيح إذا رقدتم ".
في حين نرى الكثيرين يظنون أن الأضواء المبهرة - التي نراها الآن - مظهر حضاري، وهم غافلون عن الحكمة من الليل، وهي ظلمته. والنور للحركة والعمل والسعي، فمن ارتاح في الليل يصبح نشيطا للعمل، ولا يعمل الإنسان إلا إذا أخذ طاقة جديدة، وارتاحت أعضاؤه، ساعتها تستطيع أن تطلب منه أن يعمل. لذلك قال الحق سبحانه:
ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار..
[القصص: 73]. لماذا؟
لتسكنوا فيه..
[القصص: 73] أي: في الليل.
ولتبتغوا من فضله..
[القصص: 73] أي: في النهار. إذن: لليل مهمة، وللنهار مهمة، وإياك أن تخلط هذه بهذه، وإذا ما وجد عمل لا يؤدى إلا بالليل كالحراسة مثلا، نجد الحق سبحانه يفتح لنا بابا لنخرج من هذه القاعدة العامة. فيقول تعالى:
ومن آياته منامكم باليل والنهار..
[الروم: 23]. فجعل النهار أيضا محلا للنوم، فأعطانا فسحة ورخصة، ولكن في أضيق نطاق، فمن لا يقومون بأعمالهم إلا في الليل، وهي نسبة ضئيلة لا تخرق القاعدة العامة التي ارتضاها الحق سبحانه لتنظيم حركة حياتنا. فإذا خرج الإنسان عن هذه القاعدة، وتمرد على هذا النظام الإلهي، فإن الحق سبحانه يردعه بما يكبح جماحه، ويحميه من إسرافه على نفسه، وهذا من لطفه تعالى ورحمته بخلقه. هذا الردع إما ردع ذاتي اختياري، وإما ردع قهري، الردع الذاتي يحدث للإنسان حينما يسعى في حركة الحياة ويعمل، فيحتاج إلى طاقة، هذه الطاقة تحتاج إلى دم متدفق يجري في أعضائه، فإن زادت الحركة عن طاقة الإنسان يلهث وتتلاحق أنفاسه، وتبدو عليه أمارات التعب والإرهاق، لأن الدم المتوارد إلى رئته لا يكفي هذه الحركة. وهذا نلاحظه مثلا في صعود السلم، حيث حركة الصعود مناقضة لجاذبية الأرض لك، فتحتاج إلى قوة أكثر، وإلى دم أكثر وتنفس فوق التنفس العادي. فكأن الحق سبحانه وتعالى جعل التعب والميل إلى الراحة رادعا ذاتيا في الإنسان، إذا ما تجاوز حد الطاقة التي جعلها الله فيه. أما الردع القهري فهو النوم، يلقيه الله على الإنسان إذا ما كابر وغالط نفسه، وظن أنه قادر على مزيد من العمل دون راحة، فهنا يأتي دور الرادع القسري، فينام رغما عنه ولا يستطيع المقاومة، وكأن الطبيعة التي خلقها الله فيه تقول له: ارحم نفسك، فإنك لم تعد صالحا للعمل. فالحق تبارك وتعالى لا يسلم الإنسان لاختياره، بل يلقي عليه النوم وفقدان الوعي والحركة ليحميه من حماقته وإسرافه على نفسه. لذلك نرى الواحد منا إذا ما تعرض لمناسبة اضطرته لعدم النوم لمدة يومين مثلا، لا بد له بعد أن ينتهي من مهمته هذه أن ينام مثل هذه المدة التي سهرها ليأخذ الجسم حقه من الراحة التي حرم منها. وقوله تعالى: ﴿ آيتين.. ﴾ [الإسراء: 12]. قلنا: إن الآية هي الشيء العجيب الذي يدعو إلى التأمل، ويظهر قدرة الخالق وعظمته سبحانه، والآية تطلق على ثلاثة أشياء: - تطلق على الآيات الكونية التي خلقها الله في كونه وأبدعها، وهذه الآيات الكونية يلتقي بها المؤمن والكافر، ومنها كما قال تعالى: