تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به..

[البقرة: 89]. فلما كفروا به، ماذا كان موقفه صلى الله عليه وسلم بعد أن هاجر إلى المدينة؟ في المدينة أبرم رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم معاهدة يتعايشون بموجبها، ووفى لهم رسول الله ما وفوا، فلما غدروا هم، واعتدوا على حرمات المسلمين وأعراضهم، جاس رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال ديارهم، وقتل منهم من قتل، وأجلاهم عن المدينة إلى الشام وإلى خيبر وكان هذا بأمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:

هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يأولي الأبصار

[الحشر: 2]. وهذا هو الفساد الأول الذي حدث من يهود بني النضير، وبني قينقاع، وبني قريظة، الذين خانوا العهد مع رسول الله، بعد أن كانوا يستفتحون به على الذين كفروا، ونص الآية القادمة يؤيد ما نذهب إليه من أن الإفسادتين كانتا بعد الإسلام.

17.5

معلوم أن إذا ظرف لما يستقبل من الزمان، كما تقول: إذا جاء فلان أكرمته، فهذا دليل على أن أولى الإفسادتين لم تحدث بعد، فلا يستقيم القول بأن الفساد الأول جاء في قصة طالوت وجالوت، وأن الإفساد الثاني جاء في قصة بختنصر. وقوله: ﴿ وعد ﴾. والوعد كذلك لا يكون بشيء مضى، وإنما بشيء مستقبل. و ﴿ أولاهما ﴾ أي: الإفساد الأول. وقوله: ﴿ بعثنا عليكم عبادا لنآ.. ﴾ [الإسراء: 5]. وفي هذه العبارة دليل آخر على أن الإفسادتين كانتا في حضن الإسلام لأن كلمة ﴿ عبادا ﴾ لا تطلق إلا على المؤمنين، أما جالوت الذي قتله طالوت، وبختنصر فهما كافران. وقد تحدث العلماء في قوله تعالى: ﴿ عبادا لنآ.. ﴾ [الإسراء: 5]. فمنهم من رأى أن العباد والعبيد سواء، وأن قوله عبادا تقال للمؤمن وللكافر، وأتوا بالأدلة التي تؤيد رأيهم حسب زعمهم. ومن أدلتهم قول الحق سبحانه وتعالى في قصة عيسى عليه السلام:

وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم

[المائدة: 116-118]. والشاهد في قوله تعالى:

إن تعذبهم فإنهم عبادك..

[المائدة: 118]. فأطلق كلمة " عبادي " على الكافرين، وعلى هذا القول لا مانع أن يكون جالوت وبختنصر، وهما كافران قد سلطا على بني إسرائيل. ثم استدلوا بآية أخرى تحكي موقفا من مواقف يوم القيامة، يقول تعالى للشركاء الذين اتخذوهم من دون الله:

أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء..

[الفرقان: 17]. فأطلق كلمة عباد على الكافرين أيضا. إذن: قوله تعالى: ﴿ بعثنا عليكم عبادا لنآ.. ﴾ [الإسراء: 5]. ليس من الضروري أن يكونوا مؤمنين، فقد يكونون من الكفار، وهنا نستطيع أن نقول: إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن ينتقم منهم، ويسلط عليهم أمثالهم من الكفرة والظالمين، فإذا أراد سبحانه أن ينتقم من الظالم سلط عليه من هو أكثر منه ظلما، وأشد منه بطشا، كما قال سبحانه:

وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون

[الأنعام: 129]. وإذا كان أصحاب هذا الرأي لديهم من الأدلة ما يثبت أن كلمة عباد تطلق على المؤمنين وعلى الكافرين، فسوف نأتي بما يدل على أنها لا تطلق إلا على المؤمنين. ومن ذلك قوله تعالى:

وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما * والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٩٥