17.53
وسبق أن أوضحنا الفرق بين عبيد وعباد، وأنهما جمع عبد، لكن عبيد تدل على من خضع لسيده في الأمور القهرية، وتمرد عليه في الأمور الاختيارية، أما عباد فتدل على من خضع لسيده في كل أموره القهرية والاختيارية، وفضل مراد الله على مراده، وعنهم قال تعالى:
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما
[الفرقان: 63-64]. وهذا الفرق قائم بينهما في الدنيا دون الآخرة، حيث في الآخرة تنحل صفة الاختيار التي بنينا عليها التفرقة، وبذلك يتساوى الجميع في الآخرة، فكلهم عبيد وعباد لذلك قال تعالى في الآخرة للشيطان:
أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل
[الفرقان: 17]. فسماهم عبادا رغم ضلالهم وكفرهم. وقوله تعالى: ﴿ يقولوا التي هي أحسن.. ﴾ [الإسراء: 53]. أي: العبارة التي هي أحسن، وكذلك الفعل الذي هو أحسن. والمعنى: قل لعبادي: قولوا التي هي أحسن يقولوا التي هي أحسن لأنهم مؤتمرون بأمك مصدقون لك. و ﴿ التي هي أحسن ﴾ تعني: الأحسن الأعلى الذي تتشقق منه كل أحسنيات الحياة، والأحسن هو الإيمان بالله بشهادة أن لا إله إلا الله، هذه أحسن الأشياء وأولها، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول:
" خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ".
لأن من باطنها ينبت كل حسن، فهي الأحسن الكبيرة لأنك ما دمت تؤمن بالله فلن تتلقى إلا عنه، ولن تخاف إلا منه، ولن ترجو إلا هو، وهكذا يحسن أمرك كله في الدنيا والآخرة. وأنت حين تقول: لا إله إلا الله، لا تقولها إلا وأنت مؤمن بها لأنك تريد أن تشيعها فيمن سمعك، ولا تكتفي بنفسك فقط، بل تحب أن يشاركك الآخرون هذا الخير لذلك إذا أردنا أن ننطق بهذه الكلمة نقول: أشهد أن لا إله إلا الله. فمعنى أشهد يعني عند من لم يشهد، فكأن إيمانك بها دعاك إلى نقلها إلى الناس، وبثها فيما بينهم. ويمكن أن نقول ﴿ التي هي أحسن ﴾ الأحسن هو: كل كلمة خير، أو الأحسن هو: الجدل بالتي هي أحسن، كما قال تعالى:
وجادلهم بالتي هي أحسن..
[النحل: 125]. أو نقول: الأحسن يعني التمييز بين الأقوال المتناقضة وفرزها أمام العقل، ثم نختار الأحسن منها، فنقول به. فالأحسن - إذن - تشيع لتشمل كل حسن في أي مجال من مجالات الأقوال أو الأفعال، ولنأخذ مثلا مجال الجدل، وخاصة إذا كان في سبيل إعلاء كلمة الله، فلا شك أن المعارض كاره لمبدئك العام، فإن قسوت عليه وأغلظت له القول أو اخترت العبارة السيئة فسوف ينتقل الخلاف بينكما من خلاف في مبدأ عام على عداء شخصي.
وإذا تحولت هذه المسألة إلى قضية شخصية فقد أججت أوار غضبه لأنه في حاجة لأن ترفق به، فلا تجمع عليه مرارة أن تخرجه مما ألف إلى ما يكره، بل حاول أن تخرجه مما ألف إلى ما يحب لتطفئ شراسته لعداوتك العامة، وتقرب من الهوة بينك وبينه فيقبل منك ما تقول. يقول تعالى:
ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
[فصلت: 34]. وقد يطلع علينا من يقول: لقد دفعت بالتي هي أحسن، ومع ذلك لا يزال عدوي قائما على عداوتي، ولم أكسب محبته. نقول له: أنت ظننت أنك دفعت بالتي هي أحسن، ولكن الواقع غير ذلك، إنك تحاول أن تجرب مع الله، والتجربة مع الله شك، فادفع بالتي هي أحسن من غير تجربة، وسوف يتحول العدو أمامك إلى صديق. وما أروع قول الشاعر:
يا من تضايقه الفعال من التي ومن الذي
ادفع - فديتك - بالتي حتى ترى فإذا الذي
لكن، لماذا نقول التي هي أحسن؟ لأن الشيطان ينزغ بينكم: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم.. ﴾ [الإسراء: 53] والنزغ هو نخس الشيطان ووسوسته، وقد قال تعالى في آية أخرى:
وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله..