17.58
ساعة أن تسمع ﴿ وإن من قرية إلا ﴾ فاعلم أن الأسلوب قائم على نفي وإثبات، فالمعنى: لا توجد قرية إلا والله مهلكها قبل يوم القيامة، أو معذبها عذابا شديدا، لكن هل كل القرى ينسحب عليها هذا الحكم؟ نقول: لا، لأن هذا حكم مطلق والإطلاقات في القرآن تقيدها قرآنيات أخرى، وسوف نجد مع هذه الآية قول الحق سبحانه:
ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون
[الأنعام: 131]. وقال تعالى:
وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون
[هود: 117]. فهذه آيات مخصصة توضح الاستثناء من القاعدة السابقة، وتقيد المبدأ السابق والسور العام الذي جاءت به الآية، فيكون المعنى - إذن - وإن من قرية غير غافلة وغير مصلحة إلا والله مهلكها أو معذبها. وقوله: ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها.. ﴾ [الإسراء: 58]. ﴿ مهلكوها ﴾ أي: بعذاب الاستئصال الذي لا يبقي منهم أحدا. ﴿ معذبوها ﴾ أي: عذابا دون استئصال. لأن التعذيب مرحلة أولى، فإن أتى بالنتيجة المطلوبة وأعاد الناس إلى الصواب فبها ونعمت وتنتهي المسألة، فإن لم يقتنعوا وأصروا ولم يرتدعوا وعاندوا يأتي الإهلاك، وهذا واضح في قول الحق سبحانه:
وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون
[النحل: 112]. والواقع أن في حاضرنا شواهد عدة على هذه المسألة، فلا بد لأي قرية طغت وبغت أن ينالها شيء من العذاب، والأمثلة أمامنا واضحة، ولا داعي لذكرها حتى لا ننكأ جراحنا. وطبيعي أن يأتي العذاب قبل الإهلاك لأن العذاب إيلام حي يشعر بالعذاب ويحس به، والإهلاك إذهاب للحياة، وهذا يمنع الإحساس بالعذاب. وباستقراء تاريخ الأمم السابقة نلاحظ ما حاق بهم من سنة إهلاك الظالمين، فقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط نزل بهم عذاب الله الذي لا يرد عن القوم الكافرين، ولكنه كان عذاب استئصال لأن الأنبياء في هذا الوقت لم يكونوا مطالبين بحمل السلاح لنشر دعوتهم، فكان عليهم البلاغ، والحق سبحانه وتعالى هو الذي يتولى تأديب المخالفين. إلا إذا طلب أتباع النبي الجهاد معه لنشر دعوته، كما حدث من أتباع موسى عليه السلام:
إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم..
[البقرة: 246]. وهكذا طلب بنو إسرائيل القتال وحمل السلاح، ولكن حذرهم نبيهم، وخشي أن يفرض عليهم ثم يتقاعسوا عنه، وهذا ما حدث فعلا ولم يبق معه إلا قليل منهم، وهذا القليل سرعان ما تراجع هو أيضا واحدا بعد الآخر.
إذن: الهمة الإنسانية في هذا الوقت لم يكن عندها استعداد ونضج لأن تحمل سلاحا في سبيل الله، فكان على الرسول أن يبلغ، وعلى السماء أن تؤدب بهذا اللون من العذاب الذي يستأصلهم فلا يبقي منهم أحدا. أما في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد رحمنا ربنا تبارك وتعالى من هذا العذاب، فقال:
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم..
[الأنفال: 33]. وهذه من كرامات الله تعالى لرسوله، فلم يأخذ قومه بعذاب الاستئصال، لماذا؟ لأن رسولهم آخر الرسل وخاتم الأنبياء، وسوف يناط بهم حمل رسالته ونشر دعوته، والانسياح بمنهج الله في شتى بقاع الأرض. ذلك لأن الحق - سبحانه وتعالى - حينما يرسل منهجه إلى الأرض يقدر غفلة الناس عن المنهج، ويقدر فكرة التأسي بالجيل السابق، فهذان معوقان في طريق منهج الله، يقول تعالى:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم..