17.61
أي: تذكروا أن الحسد قديم قدم وجود الإنسان على هذه الأرض، تذكروا ما كان من أمر آدم عليه السلام وإبليس لعنه الله، فهي مسألة قديمة ومستمرة في البشر إلى يوم القيامة. والمعنى: واذكر يا محمد، وليذكر معك قومك إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. وسبق أن تكلمنا عن السجود، ونشير هنا إلى أن السجود لا يكون إلا لله تعالى، لكن إذا كان الأمر بالسجود لغير الله من الله تعالى، فليس لأحد أن يعترض على هذا السجود لأنه بأمر الله الذي يعلم أن سجودهم لآدم ليس عيبا وليس قدحا في دينهم وعبوديتهم للحق سبحانه وتعالى لأن العبودية طاعة أوامر. والمراد بالملائكة المدبرات أمرا، الذين قال الله فيهم:
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله..
[الرعد: 11]. وقد أمرهم الله بالسجود لآدم لأنه سيكون أبا البشر، وسوف يسخر له الكون كله، حتى هؤلاء الملائكة سيكونون في خدمته لذلك أمرهم الله بالسجود له سجود طاعة وخضوع لما أريده منكم، إذن: السجود لآدم ليس خضوعا لآدم، بل خضوعا لأمر الله لهم. وقوله تعالى: ﴿ إلا إبليس.. ﴾ [الإسراء: 61]. فهم البعض منها أن إبليس كان من الملائكة، ونحن نعذر أصحاب هذا الفهم لو عزلنا هذه الآية عن بقية الآيات التي تحدثت عن هذه القضية، لكن طالما نتكلم في موضوع عام مثل هذا، فيجب استحضار جميع الآيات الواردة فيه لتتضح لنا الصورة كاملة. فإذا كان دليل أصحاب هذا القول: الالتزام بأن الله قال: ﴿ فسجدوا إلا إبليس.. ﴾ [الإسراء: 61] وقد كان الأمر للملائكة فهو منهم، وسوف نسلم لهم جدلا بصحة قولهم، لكن ماذا يقولون في قول الحق سبحانه في القرآن الذي أخذوا منه حجتهم:
فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه..
[الكهف: 50]. فإن كان دليلكم الالتزام، فدليلنا نص صريح في أنه من الجن، فإن قال قائل: كيف يكون من الجن ويؤاخذ على أنه لم يسجد؟ نقول: إبليس من الجن بالنص الصريح للقرآن الكريم، لكن الحق سبحانه وتعالى آخذه على عدم السجود لآدم واعتبره من الملائكة لأنه كان مطيعا عن اختيار، والملائكة مطيعون عن جبلة وعن طبيعة. فبذلك كانت منزلة إبليس أعلى من منزلة الملائكة، لأنه مختار أن يطيع أو أن يعصي، لكنه أطاع مع قدرته على العصيان فأصبح جليس الملائكة، بل طاووس الملائكة الذي يزهو عليهم ويتباهى بأنه صالح للاختيار في العصيان، ومع ذلك ألزم نفسه منهج الله. فإذا أصبح في منزلة أعلى من الملائكة وأصبح في حضرتهم، فإن الأمر إذا توجه إلى الأدنى في الطاعة فإن الأعلى أولى بهذا الأمر، وكذلك إن اعتبرناه أقل منهم منزلة، وجاء الأمر للملائكة بالسجود فإن الأمر للأعلى أمر كذلك للأدنى، وهكذا إن كان أعلى فعليه أن يسجد، وإن كان أدنى فعليه أن يسجد.
وقد ضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - إذا دخل رئيس الجمهورية على الوزراء فإنهم يقومون له إجلالا واحتراما، وهب أن معهم وكلاء وزارات فإنهم سوف يقومون أيضا لأنهم ارتفعوا إلى مكان وجودهم. ومن الإشكالات التي أثارها المستشرقون حول هذا الموضوع اعتراضهم على قول القرآن عن إبليس مرة ﴿ أبى ﴾ ومرة أخرى ﴿ استكبر ﴾ ومرة ﴿ أبى واستكبر ﴾ ، وكذلك قوله مرة:
ما منعك أن تسجد..
[ص: 75] ومرة أخرى يقول:
ما منعك ألا تسجد..
[الأعراف: 12]. وقد سبق أن تحدثنا عن قصور هؤلاء عن فهم أساليب العربية لأنها ليست لديهم ملكة، والمتأمل في هذه الأساليب يجدها منسجمة يكمل بعضها بعضا. فالإباء قد يكون مجرد امتناع لا عن استكبار، فالحق سبحانه يريد أن يقول: إنه أبى استكبارا، فتنوع الأسلوب القرآني ليعطينا هذا المعنى. أما قوله تعالى:
ما منعك أن تسجد..
[ص: 75] و
ما منعك ألا تسجد..
[الأعراف: 12]. صحيح أن في الأولى إثباتا وفي الأخرى نفيا، والنظرة العجلى تقول: إن ثمة تعارضا بين الآيتين، مما حمل العلماء على القول بأن لا في الآية الثانية زائدة، فالأصل