تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقتر عيسى على نفسه

وليس بباق ولا خالد

فلو يستطيع لتقتيره

تنفس من منخر واحد

ويقول أيضا:

لو أن بيتك يا ابن يوسف كله

إبر يضيق بها فضاء المنزل

وأتاك يوسف يستعيرك إبرة

ليخيط قد قميصه لم تفعل

فالإنسان يبخل على الناس ويقتر على نفسه لأنه جبل على البخل مخافة الفقر، وإن أوتي خزائن السماوات والأرض. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات... ﴾.

17.101

وقد سبق أن اقترح كفار مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة آيات ذكرت في قوله تعالى:

وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه..

[الإسراء: 90-93]. فأراد الحق سبحانه أن يلفت نظره أن سابقيهم من اليهود أتتهم تسع آيات ونزلت عليهم دون أن يطلبوها، ومع ذلك كفروا، فالمسألة كلها تعنت وعناد من أهل الكفر في كل زمان ومكان. ومعنى ﴿ بينات.. ﴾ [الإسراء: 101] أي: واضحات مشهورات بلقاء كالصبح، لأنها حدثت جميعها على مرأى ومشهد من الناس. والمراد بالآيات التسع هنا هي الآيات الخاصة بفرعون لأن كثيرين يخلطون بين معجزات موسى إلى فرعون، ومعجزاته إلى بني إسرائيل. إذن: فقوله تعالى: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات.. ﴾ [الإسراء: 101] هي الآيات التي أرسل بها إلى فرعون وقومه وهي: العصا التي انقلبت حية، واليد التي أخرجها من جيبه بيضاء منورة، وأخذ آل فرعون بالسنين ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ثم لما كذبوا أنزل الله عليهم الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، هذه تسع آيات خاصة بما دار بين موسى وفرعون. أما المعجزات الأخرى مثل العصا التي ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة، وإنزال المن والسلوى عليهم، فهذه آيات خاصة ببني إسرائيل. وقوله تعالى: ﴿ فسئل بني إسرائيل.. ﴾ [الإسراء: 101] والأمر هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن كيف يسأل بني إسرائيل الذين جاءهم موسى - عليه السلام - وقد ماتوا، والموجود الآن ذريتهم؟ نقول: لأن السؤال لذريتهم هو عين سؤالهم، لأنهم تناقلوا الأحداث جيلا بعد جيل لذلك قال تعالى مخاطبا بني إسرائيل المعاصرين لرسول الله:

وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم

[إبراهيم: 6]. والنجاة لم تكن لهؤلاء، بل لأجدادهم المعاصرين لفرعون، لكن خاطبهم الحق بقوله ﴿ أنجاكم ﴾ لأنه سبحانه لو أهلك أجدادهم لما وجدوا هم، فكأن نجاة السابقين نجاة للاحقين. ويسأل رسول الله بني إسرائيل لأنهم هم الأمة التي لها ممارسة مع منهج الله ووحيه، ولها اتصال بالرسل وبالكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل، أما مشركو قريش فليس لهم صلة سابقة بوحي السماء لذلك لما كذبوا رسول الله خاطبه بقوله:

قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب

[الرعد: 43]. لأن الذي عنده علم من الكتاب: اليهود أو النصارى عندهم علم في كتبهم وبشارة ببعثة محمد، وهم يعرفونه ويعرفون أوصافه وزمن بعثته، بل ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، بل وأكثر من معرفتهم لأبنائهم، كما قال واحد منهم. وسؤال رسول الله لبني إسرائيل سؤال حجة واستشهاد لأن قومه سألوه وطلبوا أن يظهر لهم عدة آيات - سبق ذكرها - لكي يؤمنوا به، فأراد أن ينبههم إلى تاريخ إخوانهم وسابقيهم على مر العصور، وقد أنزل الله لهم الآيات الواضحات والمعجزات الباهرات ومع ذلك كفروا ولجوا ولم يؤمنوا، فقوم فرعون رأوا من موسى تسع آيات وكفروا، وقوم صالح:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٣٨